النقد الذاتي بعد السقوط- قراءة في انتخابات بلدية الناصرة 2018

بقلم خالد عوض- الناصرة

2019-01-05 10:13:51 - اخر تحديث: 2019-01-05 12:34:25

القسم الأول : من يراقب المشهد السياسي في مدينة الناصرة لا يمكنه اخفاء وجهه خلف غربال ، ولا يمكنه المرور على ما حدث مر الكرام ، دون أن يقف ويحلل ويستخلص


خالد عوض- الناصرة

العبر من نتائج الانتخابات الأخيرة التي خسرت فيها جبهة الناصرة دورها التاريخي في ادارة البلدية منذ تسلمها البلدية عام 1975م وحتى يومنا هذا ، حيث تهدف هذه الدراسة لفهم أسباب وعوامل الهزيمة التي منيت بها جبهة الناصرة . لا أريد في هذه الدراسة الاسترسال طويلا في التذكير بالانجازات الايجابية الكبيرة التي حققتها جبهة الناصرة منذ توليها إدارة بلدية الناصرة عام 1975 ، حيث أن الإرث التاريخي الجماعي ما زال حاضرا لدى الكثيرين ممن عايشوا أو ارتبطوا ارتباطا مباشرا بجبهة الناصرة وبمسيرة عملها لفترة تراوحت أكثر من أربعة عقود . السؤال الذي لا بد من طرحه في هذا السياق،  أين كان الخلل ؟ وعلى عاتق من تقع  المسؤولية لهذا السقوط المدوي ؟ للإجابة على ما ذكر، لابد من العودة إلى البداية ، بداية تأسيس الجبهة وإلى الوثيقة الأساسية التي بنيت عليها برنامجها السياسي . والتي شملت عدة هيئات ومنظمات محلية وهي: 
1 - الحزب الشيوعي الاسرائيلي – فرع الناصرة.
2 - رابطة الطلاب الجامعيين في الناصرة.
3 - لجنة التجار والحرفيين وأصحاب المصالح الخاصة في الناصرة.
4 - لجنة الطلاب الجامعيين أبناء الناصرة.
يشير مضمون الوثيقة إلى أن جبهة الناصرة الديمقراطية تمثل هذا التحالف الذي يستند إلى أوسع قاعدة شعبية مكونة من جميع قطاعات أهل الناصرة وشرائحها الاجتماعية ، رجالا ونساء المنظمين في هيئات ومؤسسات المدينة ولجانها الشعبية والأهلية والنقابية، وغير المنظمين في هيئات محددة ، ويمثل الناصرة وأهلها في المساواة التامة والتطور العصري والحضاري الشامل.
تكلل هذا التحالف في انتصار جبهة الناصرة الديمقراطية ، في 9 ديسمبر 1975م. وبحصولها على أكثرية مطلقة في المجلس البلدي واعتبر هذا النصر بمثابة عهد جديد وضعت فيه حدا جديدا لسياسة التمييز الحكومية وللفوضى والمحسوبية والتبذير وروح اللامسؤولية التي استمرت لفترة طويلة.

أما أهم أهدافها فكان :
1 - تغيير وإصلاح أوضاع الناصرة التي عانت ولا تزال نتيجة لسياسة السلطة وأحزابها وحكوماتها المتعاقبة التي ارتكزت على التمييز ضد الناصرة وبلديتها في اطار سياستها التمييزية العامة ضد القرى العربية والسلطات المحلية.
2 - خوض معركة الانتخابات البلدية ملتزمة ببرنامج واضح ومتفق عليه يعكس مصلحة سكان الناصرة في القضايا البلدية والعامة يجمع بين العمل على تنفيذه داخل البلدية بين جماهير شعب الناصرة، وبرنامج يقف على حق مواطني الناصرة في المساواة التامة والشاملة وخصوصا في الميزانيات العادية والتطويرية ويوطد مركزها العالمي ومركزها كأكبر تجمع للسكان العرب في البلاد .
3 - تعمل انطلاقا من المضمون الديمقراطي لبرنامجها وأهدافها وإدراكها أهمية التفاهم بين الشعبين اليهودي والعربي ومع كل القوى العقلانية والخيرة من أبناء الشعب اليهودي لتوطيد وتوسيع تضامنه مع قضايانا والقضايا المشتركة بما فيها مصلحة الشعبيين على أساس الاحترام المتبادل .
4 - توطيد الديمقراطية ووحدتها والتعاون التام داخل هيئاتها، وبين أطرافها المكونة ، هو الواجب الأسمى الذي تعمل على صيانته والقيام به الهيئات المشتركة التي تقيمها جبهة الناصرة وكل طرف من أطراف الجبهة وكل هيئة من هيئاتها الخاصة بها.
هذه هي أهم البنود الأساسية التي تأسست عليها جبهة الناصرة الديمقراطية . لا شك أن نجاح الجبهة في انتخابات الناصرة بعد تأسيسها والحصول على نسبة 67% من أصوات الناخبين ( حصلت الجبهة على أكثرية المقاعد 11 مقعدا من مجموع 17 مقعدا) وتبوؤ توفيق زياد رئاسة بلدية الناصرة ، أحدث منعطفا تاريخيا بين جماهير الناصرة والجماهير العربية عموما . فعلى أثر انتصارها بدأت تقوم الجبهات في معظم القرى العربية . ومحاكاة لما حدث في الناصرة  تأسست الجبهة القطرية ،  تحت مسمى الجبهة القطرية للسلام المساواة . وقد فازت  الجبهات المحلية برئاسة 21 مجلسا محليا عام 1978 . والجبهة القطرية فازت بـ 5 مقاعد بعد خوضها انتخابات الكنيست عام 1977م . من هنا يمكننا الجزم  بأن انتصار الجبهة في بلدية الناصرة كانت الشرارة الأولى التي أطلقها توفيق زياد لتصبح نهجا وطنيا ليس فقط في الداخل الفلسطيني بل تعدت ذلك إلى قرى ومدن الضفة الغربية .

الجبهة والعمل البلدي
في اطار العمل البلدي ، أحدث توفيق زياد ثورة وطنية من الصعب حصرها في هذه الدراسة . كان أهمها :
1 - فتح جلسات المجلس البلدي أمام الجمهور وبهذا يكون قد فتح المجال أمام  الجمهور في الاطلاع على ما يدور في جلسات البلدية.
2 - نبذ القوانين العنصرية التي كانت تميز بين البلديات اليهودية والبلديات العربية. ومن البداية كان توفيق زياد قد قال كلمته وبشكل واضح أن البلدية لم تعد مرتعا للسلطة تأتمر بأوامرها وتدافع عن سياستها العنصرية . نريدها علاقة احترام متبادل .
3 - مخيمات العمل التطوعي . مع كل ما جاء به توفيق زياد من طروحات للنهوض في المدينة ، إلا أن السلطة رفضت ذلك ، فراحت تحارب البلدية بتقليص الميزانيات مستخدمة أسلوب تضييق الخناق على البلدية الأمر الذي أصبحت البلدية فيه عاجزة عن دفع المعاشات للمستخدمين وفتح مشاريع حيوية في المدينة . فكان أن لوحت الادارة الجبهوية التي كانت في بداية تسلمها لبلدية الناصرة  بالإضراب كخطوة نضالية تصعيدية ضد سياسة الخنق المالي المبرمج . فأطلقت القيادة الجبهوية شعارها : " أعطوا الناصرة حقوقها". ورغم كل الصيحات التي وصل صداها العالم ، إلا أن هذه الخطوة لم تثن المسؤولين في الحكومة عن قرارهم . فكان أن اتخذت الجبهة  الخطوة السياسية الثانية ، وهي تنظيم مخيم العمل التطوعي الأول ، الذي نفذت فيه عدة مشاريع تنظيف شارك فيه حشد كبير من سكان المدينة ، وهكذا انطلقت فكرة المخيمات التطوعية التي أصبحت نموذجا نضاليا  ابتدعته القيادة الجبهوية في البلدية وصل صداه غالبية دول العالم وقد انعكس هذا في المشاركة الفعالة محليا وفلسطينيا وعالميا . فكان أن رفعت البلدية شعارها النضالي ضد التمييز العنصري "بلدية  الناصرة، كرامة وخدمات ".

الجبهة وتشكيل لجنة الدفاع عن الأراضي العربية
في اجتماع شعبي في مدينة الناصرة ، حضره ممثلون عن كافة فئات الشعب الفلسطيني في مناطق الـ 48 ( النقب ، المثلث والجليل) تشكلت لجنة الدفاع عن الأراضي عام 1975 ، وكان الهدف من تأسيسها هو حماية الأرض العربية المتبقية من المصادرة . كانت مبادرة تشكيل اللجنة بدعوة من الحزب الشيوعي الاسرائيلي . أفرز تشكيل لجنة الدفاع عن الأراضي يوم الأرض الذي جاء تأكيدا لحقيقة الانتماء الوطني لهذه الجماهير ورفضها مصادرة ما تبقى من أرضها الأمر الذي يعتبر تأكيدا للرفض القديم لكل ما صودر من أرض فلسطينية في الجليل والنقب . وقد عم اضراب في 30 اّذار من عام 1976 بعد أن قامت السلطات بمصادرة اّلاف الدونمات في الجليل . هنا برز مرة أخرى دور توفيق زياد رئيس بلدية الناصرة والقائد الشيوعي ، الذي عرف بمقولته  المشهورة : " الشعب قرر الإضراب " . هذا التصعيد وتطور الأحداث جعل " يسرائيل كيننغ " متصرف لواء الشمال في وزارة الداخلية وبعد أحداث يوم الأرض عام 1976 ، أن يكتب تقريره التاريخي (الذي عرف بوثيقة كيننغ.)  حول وضع العرب في اسرائيل .
أظهر التقرير انهماك الحزب الشيوعي على المستوى المحلي مما يسمح له بأن يكون على اتصال مباشر بعناصر السخط أو الاستياء وتعبئة الجماهير العربية ، واعتبر ذلك تهديدا وخطورة على أمن الدولة . وتنبأ كيننغ في تقريره بأن الحزب الشيوعي سيسيطر على مؤسسات شبه حكومية كالمجالس المحلية  والبلديات ويخلق أساسا  مشروعا للنشاط الوطني السياسي . لمعالجة هذا الخطر المتصور أوجز كنيغ توصيات إلى رئيس الوزراء آنذاك اسحق رابين بهذا الشأن ، منها إنشاء "حزب عمل شقيق" يركز على مبادئ المساواة والإنسانية واللغة والثقافة والصراع الاجتماعي وعلى رفع راية السلام في الوسط العربي ليتم حرمان الحزب الشيوعي من أولويته في ممارسة الكفاح الوطني وتمثيله للإسرائيليين ألعرب. في هذه المرحلة ارتفعت أسهم قوائم الجبهة والحزب الشيوعي في الوسط العربي  وانحسر التأييد للأحزاب الصهيونية ، إلا أن الجبهة اصطدمت بأول صراع تنظيمي وكان قد جاءها من الداخل.

الانشقاق الأول وتأسيس الحركة التقدمية
في عام 1981م وبعد مضي 6 سنوات على تبوؤ الجبهة بلدية الناصرة ونتيجة لخلافات فكرية وسياسية وتنظيمية ، انشقت عن الجبهة مجموعة من الشخصيات المحلية ، قامت فيما بعد بتشكيل اطار سياسي أطلقت عليه  اسم "الحركة التقدمية"، وقد تشكل الاطار من أفراد ومجموعات عربية ويهودية .
لم يؤثر هذا الانشقاق على بنية الجبهة التنظيمية ، خصوصا أنه جاء في مرحلة المد الوطني وفي مرحلة كانت الجماهير العربية تلتف حول القيادة  الجبهوية التي زرعت روح  الوطنية بين صفوف مؤيديها . لم تدم هذه الحركة طويلا وسرعان ما تلاشت عن الخارطة السياسية بعد أن انسحبت معظم العناصر القيادية اليهودية فتحولت في أوائل التسعينيات إلى حزب عربي صرف تقوده مجموعة الناصرة.
استمر الخط الجبهوي في الصعود بين الجماهير العربية ، مستخدما الخطاب الوطني ومواكبا لجميع الأحداث الوطنية والسياسية بدءا من أحداث صبرا وشاتيلا ومن ثم الانتفاضة الأولى التي تفجرت في قطاع غزة ومناطق الضفة الغربية في كانون الأول / ديسمبر من عام 1987، إلى إحياء مظاهرات يوم الأرض وغيرها من المناسبات الوطنية الأخرى التي كانت الجبهة تقف في صدارتها . في الناصرة ، وخلال انتخابات البلدية عام 1983 ، واجهــت الجبهة منافسة شرسة من المنشقين عنها، ومن حزب العمل والأحزاب الأخرى ، إلا أنها نجحت في الحفاظ على وجودها كقوة مؤثرة سياسيا وجماهيريا.

الجبهة والتأثيرات السياسية الخارجية والمحلية
عصفت بالجبهة بعض القضايا السياسية التي تركت أثرا على مدها السياسي وعلى نموها الجماهيري  محليا ، عالميا  وفلسطينيا من أهمها :
1 - الحمولة ودورها السياسي : لعبت الحمولة أو العائلة الممتدة دورا كبيرا في اللعبة السياسية والتي نجحت أحزاب السلطة وأعوانها في استخدامها كقوة سياسية في مواجهة الجبهة وعدم مساندتها والتأثير عليها سلبا ، الأمر الذي أثر فيما بعد على مدها الجماهيري الذي حققته عند ظهورها عام 1975. هذا التضاؤل في المد الجماهيري سنرى تبعاته في السنوات القادمة ، وكيف أن السلطة نجحت في نهاية المطاف باللعب على وتر العائلية  والحاراتية وزرع فتيل الفتنة الطائفية وتمزيق النسيج الاجتماعي للمدينة .
2 - انهيار الاتحاد السوفييت :  في تسعينيات القرن الماضي زمن الرئيس الروسي ميخائيل غاربتشوف ، انهار الاتحاد السوفييتي ، الذي اتبع سياسة " البريسترويكا " و"الغلاسنوست"، والتي كان الهدف الرئيسي منها جعل إدارة البلاد شفافة وقابلة للنقاش وذلك للالتفاف على الدائرة الضيقة من الموالين الذين سيطروا في السابق سيطرة تامة على الاقتصاد في البلاد . كانت النتيجة  إعلان الاستقلال لغالبية الدول التي كانت تنضوي تحت جناح الاتحاد السوفيتي وإعلان انفصالها عنه. مع حلول عام 1991 تم حل الاتحاد السوفيتي نهائيا وتحويله إلى دول مستقلة ، وبعدها تم انشاء رابطة الدول المستقلة كبديل للاتحاد السوفيتي. كان هذا الانهيار وان كانت رياحه بعيدة عن قضايانا المحلية ، قد أثر تنظيميا على الحزب الشيوعي الذي شكل العامود الفقري للجبهة، وخلق بلبلة وتساؤلات ونقاشات فكرية بين أعضائه ومؤيديه أدت  في ما بعد إلى حالة من التململ كانت محصلتها خروج بعض الشخصيات القيادية منه.
3 - اتفاق أوسلو : في خريف عام 1992 خسر جورج بوش الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي فاز فيها منافسه مرشح الحزب الديمقراطي بيل كلينتون ، وفي إسرائيل خسر شامير الانتخابات لصالح اسحاق رابين . وفي أثناء ذلك ، أقام الإسرائيليون اتصالات سرية بالزعيم الفلسطيني ياسر عرفات ، حيث بدأ مسار آخر سري هو المسار الذي  أفضى إلى توقيع اتفاق أوسلو. تُوج هذا المسار التفاوضي بين الطرفين باتفاقية ( غزة / أريحا أولا) التي وُقعت في واشنطن بتاريخ 13 سبتمبر/أيلول 1993 ، ومهدت لقيام السلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة منتصف عام 1994م . يمكن القول أن ظاهرة  التقهقر بدأت بعد اتفاق اوسلو حيث أن هذا الاتفاق شكل منعطفا تاريخيا بين صفوف الشعب الفلسطيني ولعب دورا هاما في انقسام الساحة الفلسطينية وأحدث اختلالا وانقساما سياسيا وجغرافيا وصلت رياحه  للأحزاب السياسية داخل مناطق الـ 48.

انتخابات عام 1993 وانتساب علي سلام للجبهة
في عام 1993 م ، انتسب علي سلام لصفوف الجبهة بطلب من رئيس بلدية الناصرة  توفيق زياد الذي رأى فيه شخصية يمكنها أن تساهم في تعزيز العمل البلدي والعمل الجبهوي ، كونه رجل أعمال ناجحا ولكونه ابن حسين خميس سلام العامل النقابي الذي كان يعمل في مصنع  "دوبك" للسّجائر ، وأحد المرشحين في قائمة الحزب الشيوعي وغير الحزبيين في انتخابات بلدية الناصرة التي جرت في 12 نيسان عام 1954 م . من هذا المنطلق اقترح توفيق زياد أن يكون علي سلام عضوا في قائمة جبهة الناصرة . ومن هذا الباب  دخل علي سلام المعترك السياسي بعد انتسابه للجبهة ليبدأ عمله البلدي كعضوا في بلدية الناصرة.
بعد عام من عمله البلدي توفي توفيق زياد ، اثر حادث سير مروع وهو في طريق عودته من مدينة أريحا بعد مشاركته في استقبال الرئيس ياسر عرفات ، ليحل مكانه رامز جرايسى الذي كان يشغل منصب القائم بأعمال الرئيس . بعد التغيير في تركيبة المجلس البلدي ، أصبح كل من دخيل حامد ، سهيل دياب وسهيل الفاهوم نوابا للرئيس الجديد . في هذه المرحلة كان علي سلام عضوا في المجلس البلدي . إلا أن اسمه بدأ يلمع ويظهر بعد أزمة شهاب الدين وانتخابات عام 1998م ، وهو العام الذي بدأت تظهر فيه الحركة الاسلامية كحركة سياسية  قطرية وإعلانها عن خوض الانتخابات للمجالس المحلية والبلديات. (من الجدير ذكره هنا ، أن الحركة الاسلامية  وقبل أن تتبلور كإطار سياسي ، خاضت معركة الانتخابات لأول مرة في عام 1989 وكانت شاراتها  (ي س) وقد نجحت في الحصول على ستة مقاعد في انتخابات بلدية الناصرة) ..

 

 القسم الثاني
ا
لجبهة وبداية الانحدار
يمكن القول أن ظواهر التقهقر بدأت تظهر في صفوف الجبهة الديمقراطية بعد وفاة توفيق زياد  القائد المجرب والحكيم والذي ترك فراغا سياسيا وتنظيميا بعد وفاته.  أضف إلى ذلك ، اختفاء مركبات الجبهة وبقاء الحزب الشيوعي المؤسس الأول لهذا التنظيم وعوامل أخرى ، كانت قد غذتها وحركتها أصابع السلطة وأعوانها لضرب الجبهة وتنظيمها . على الرغم من الشفافية ووضوح الرؤيا في الخطاب السياسي الجبهوي ، إلا أن التنظيم بدأ يفقد دوره الديمقراطي وذلك بعد أن أصبح الترشح للانتخابات الداخلية التمهيدية ، يعتمد أسلوب " البرايمرز " كشكل من أشكال تعميق الديمقراطية في حياة الجبهة الداخلية ولزيادة مشاركة الكوادر في عملية اتخاذ القرار . إن هذا النوع من الانتخابات ( المقصود البرايمرز)  أدى إلى تعزيز الفردية وزيادة قوتها ضمن عملية التنافس ، الأمر الذي جعل التنظيم الجبهوي يصبح تحت هيمنة وسيطرة المجموعات الضاغطة والتكتلات الحاراتية والعائلية والعلاقات الشخصية في اختيار مرشحيه ، فكانت النتيجة اتساع الفجوة بين الفكر الايديولوجي الذي كان يؤمن به الحزب الشيوعي وبين أعضاء الجبهة غير الحزبيين.
ضمن هذه الظروف وبالرغم من التحفظات ، حاول بعض الغيورين ممن دعاهم الواجب للحفاظ على  البناء الجبهوي متماسكا ، غير أن التغيرات في تركيبة الجبهة الداخلية بعد وفاة توفيق زياد أوجدت شريحة جديدة من النخب الجبهوية التي رأت في رئيس البلدية الجديد رامز جرايسي مشروعا يمكنهم من خلاله تنفيذ مآربهم الشخصية ، خصوصا بعد أن لاحت في الأفق بداية الاستعداد للعمل على مشروع الناصرة 2000.

مشروع الناصرة 2000 وأزمة شهاب الدين
في الشهر الأول من عام 1997،  بدأت تظهر على الساحة بوادر خلاف في مدينة الناصرة وذلك بعد هدم المدرسة التاريخية ( الرشيدية) المحاذية لمقام شهاب الدين  والتي كانت تحوي اضافة لغرف التعليم ، مصلى ومحرابا . بناء على ما ذكر، رفض عدد من المسلمين في الناصرة أن تدرج هذه الأرض ضمن مشروع الناصرة 2000 وادعوا انها وقفية ، وطالبوا ببناء جامع في الموقع فتشكلت لجنة أطلقت على نفسها لجنة وقف شهاب الدين.اشتد الصراع بين البلدية الجبهوية من جهة ، ولجنة وقف شهاب الدين والحركة الاسلامية من جهة أخرى ، الأمر الذي أدى إلى اشتعال أزمة طائفية حادة كادت أن تحرق الناصرة، لعبت بها وغذتها تدخلات السلطة التي استثمرتها لضرب وحدة المدينة ونسيجها الاجتماعي ، وبالتالي الإضعاف والنيل من دورها الوطني.

انتخابات عام  1998 والاستقطاب الطائفي
كان الخلاف حول وقف شهاب الدين واضحا في انتخابات عام 1998. وقد انعكست ظلاله بشكل مباشر على انتخابات بلدية الناصرة محدثة استقطابا غير مسبوق في تاريخ المدينة ، حيث قسمت البلد إلى قسمين متناصفين.  في تلك الانتخابات ادت المعركة بين " قائمة الناصرة الموحدة " من جهة و" الجبهة " من الجهة الثانية الى شرخ طائفي في أحياء المدينة كانت محصلتها، أن صَّوت اكثر من 80 % من المسلمين حينها للقائمة الموحدة وما يزيد عن 90% من المسيحيين كانوا قد صوتوا لقائمة الجبهة . في هذه الانتخابات فازت القائمة الموحدة بغالبية أعضاء المجلس البلدي، ( عشرة مقاعد) مقابل تسعة مقاعد للجبهة وفوز رامز جرايسي برئاسة البلدية. ورغم التقطب ، ولرأب الصدع جرى تحالف مشوه بين القائمة الموحدة والجبهة ، شغل فيه علي سلام منصب نائب للرئيس عن الجبهة وسلمان أبو أحمد  وأحمد الزعبي نائبين للرئيس عن القائمة الموحدة.  حول هذا الموضوع والهزة التي أصيبت بها الناصرة والتي أثرت على نسيجها الاجتماعي ، تلخص جبهة الناصرة في مؤتمرها الخامس أسباب الهبوط في انتخابات البلدية إلى الأسباب التالية:
1 - ارتفاع الخطاب الطائفي .
2 - فقدانها لأصوات شريحة الشباب والفئات المسحوقة.
3 - الاستقطاب الطائفي وتمزق النسيج الاجتماعي.
لا شك أن النقد الذاتي هو شيء صحي وسليم تنتهجه الأحزاب والقيادات والأفراد لاستخلاص العبر لتصحيح المسار والمضي قدما لأجراء التغيير . وهنا لابد من السؤال ، هل استخلصت جبهة الناصرة وقيادتها العِبّرْ من الأحداث التي وقعت في المدينة ؟ . وهل قامت بالعمل على رأب الصدع وتصحيح مسارها ونهجها السياسي ؟. اسئلة لا بد من طرحها سأجيبكم عليها في نهاية هذا البحث.

انتخابات عام 2003 واستمرار الاستقطاب الطائفي
تزامنت انتخابات الناصرة عام 2003 مع حرب الخليج الثانية وسقوط النظام العراقي فيها ، ورغم الاحباط  السياسي الذي ساد الشارع النصراوي ، إلا أن أجواء التوتر والانقسام الطائفي الذي مزق نسيج المدينة على أثر أحداث شهاب الدين ، عاد وطغى على الأجواء الانتخابية مرة أخرى . ما  قام به الطرفان المتنافسان ، الجبهة والقائمة الموحدة ، من استغلال لأزمة شهاب الدين وتسخين للأجواء رغم انتهائها ضاربة بعرض الحائط المصالح الاقتصادية لتجار المدينة والنسيج الاجتماعي المهلهل الذي  أشتمت منه رائحة الطائفية البغيضة ، لهو دليل قاطع على طغيان المصالح الحزبية الضيقة على وحدة البلد التي كانت تتمنى أن تنهض من كابوسها . وهكذا عاد الشرخ الطائفي ليلعب الدور الرئيسي في حسم نتائج الانتخابات فحصلت "الموحدة" على 8 أعضاء (من أصل 17 مقعدا)  و"الجبهة " على 8 أعضاء بينما حصلت " قائمة الناصرة معا " على عضو واحد لتظهر كعنصر غريب في ظل هذه الأجواء . ولحسم موضوع الائتلاف وعدم خوضه مع القائمة الموحدة قامت الجبهة بالتحالف مع بشير عبد الرازق الذي كان قد خاض معركة الانتخابات تحت قائمة الناصرة معا ، بدعم مباشر من حزب التجمع الوطني الديمقراطي ، ليصبح علي سلام نائبا للرئيس وقائما بأعماله عن جبهة الناصرة وبشير عبد الرازق نائبا ثانيا .
 يمكن القول أن انتخابات 2003 تركت بعض الإشارات الهامة والتي لا بد من الوقوف عندها ،  وهي:
1 - هبوط في عدد مقاعد القائمة الموحدة ( خسارة مقعدين) التي بدأت تعيش في صراع تنظيمي داخلي بين قيادتها.
2 - ابتعاد عدد من مؤيديها خصوصا الذين تربطهم علاقات تجارية وعلاقات اجتماعية وعمل في مؤسسات المدينة المختلفة.
3 - رفض الخطاب الديني لعدد كبير من مؤيدي القائمة الموحدة ، حيث استنتجوا أن هذا الخطاب غير ملائم للشارع النصراوي الذي يتكون من نسيج اجتماعي ديني لطائفتين وليس لطائفة واحدة .
4 - اسم القائمة،"الناصرة الموحدة " ، وكان السؤال  الذي يطرح دائما ، كيف يمكن لقائمة ترفع شعار الوحدة ولا يوجد فيها أي تمثيل مسيحي؟ .
أما قائمة الجبهة  فقد خسرت هي الأخرى مقعدا في هذه الانتخابات وذلك للأسباب التالية:
1 - التململ الجماهيري من استخدام الخطاب الديني لتأجيج المشاعر ، الأمر الذي عزز حالة التقطب وللمرة الثانية على التوالي .
2 - الصراع التنظيمي الداخلي .

انتخابات عام 2008 وفشل القائمة الموحدة
لم تنجح القائمة الموحدة في ابقاء ورقة شهاب الدين ورقة مراهنة في معركتها الانتخابية ، ولم تنجح بأن تكون البديل في المجلس البلدي . فبعد أن تكشفت الحقائق وحسمت المعركة في أروقة المحاكم وتحويل المكان إلى ساحة عامة ، نجحت البلد في الخروج من الأزمة بعد أن كانت رهينة لها لمدة تراوحت عشر سنوات . وكان من تداعياتها أن انخفض عدد المقاعد التابعة للحركة الاسلامية وقائمتها في المجلس البلدي نتيجة حالة التشرذم والصراع داخل الحركة الاسلامية ، بينما نجحت الجبهة في الحصول على عشرة مقاعد ، الأمر الذي جعلها تنفرد في ادارة بلدية الناصرة دون شريك أو منافس . إلا أن ترسبات الصراع الطائفي بقيت اّثاره تحت الرماد وأن حالة الاحتقان عند المواطن النصراوي قد ازدادت أكثر وأكثر خصوصا بعد أن انتهجت ادارة البلدية  الجبهوية سياسة الأبواب المغلقة في ادارة أعمالها ليقتصر عملها على  مجموعات النخبة من سكان المدينة من رجال أعمال وشخصيات نصراوية قادرة على اتخاذ القرار ، فكان في نهجها هذا أن خلقت فجوة كبيرة بينها وبين المواطن النصراوي البسيط والجمهور العام الذي كان ذات يوم " الدينامو " لأي نشاط وطني أو سياسي يعصف في جماهيرنا العربية في الداخل . أما على المستوى التنظيمي والسياسي ، فقد ازدادت شدة الصراع بين الكوادر الشبابية خصوصا كوادر الحزب الشيوعي والقيادة الجبهوية التقليدية التي اقتصر أغلب عملها على تقديم الخدمات من خلال ادارتها لبلدية الناصرة.

انتخابات عام  2013 : انشقاق شباب التغيير وانسحاب علي سلام من الجبهة
تعتبر انتخابات الناصرة عام 2013 ، بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير ، حيث وصلت الانتقادات والخلافات داخل كوادر الجبهة محليا وقطريا إلى أوجها، ورغم اقتناع القيادة القطرية والمحلية أن هناك خللا أصاب جسمها السياسي، غير أنها لم تستطع اصلاحه . وقد تجلى واضحا ذلك في الصراع التنظيمي الداخلي الذي أدى إلى انقسامات داخلية كانت قد تفجرت خلال انعقاد مجلس الجبهة تمهيدا لخوض معركة الانتخابات . اخذ هذا الصراع اتجاهين ، الاتجاه الأول كانت وراءه مجموعة من كوادر الشباب المنتسب للحزب الشيوعي الذين انشقوا عن الجبهة وشكلوا في ما بعد قائمة مستقلة أطلقت على نفسها " شباب التغيير " ومن خلالها خاضوا معركة الانتخابات للمجلس البلدي ، وقد نجحوا في الحصول على مقعد خاص بهم . أما الاتجاه الثاني فكان وراءه علي سلام الذي شغل منصب نائب رئيس البلدية والقائم بأعماله لسنين طويلة ، حيث أعلن هو الاّخر عن انسحابه من الجبهة بسبب خلافات حادة متعلقة بعدم ادراج اسمه ضمن الأسماء الأولى في قائمة الجبهة لخوض انتخابات البلدية ، الامر الذي جعله يشكل قائمة مستقلة ، أطلق عليها اسم " ناصرتي " ، وكانت قد لاقت هذه القائمة تأييدا جماهيريا من الفئات الشعبية ومن رجال الأعمال المحليين ومن القوائم الحزبية الأخرى . حاولت  قيادة الجبهة في الناصرة تبسيط موضوع الانشقاق وادعت حينها أن الذين انشقوا عنها ، هم مجموعة صغيرة من تنظيم الحزب الشيوعي والأمر نابع من إحباطات ودوافع شخصية إلا أن هذه القيادة كانت قد لاقت صعوبة في مصارحة كوادرها وجمهورها ، من أن الهبوط الشعبي يزداد تعقيدا ، وأن الانهيار قادم لا محالة .
في ظل هذه الفوضى والانقسامات الداخلية خاضت الجبهة معركة الانتخابات ، وعبثا حاول الصوت العقلاني في كوادر الجبهة رأب الصدع وأن يعيد الأمور إلى نصابها ، إلا أن التعنت والغطرسة وعدم الاقتناع بالسقوط وهيمنة القيادة المتنفذة في اتخاذ القرار هو الذي كان سائدا . فجاء السقوط مدويا خصوصا بعد الجولة الثانية التي التفت فيها الحركة الاسلامية بشقيها وجميع الأطر السياسية حول القائمة الجديدة قائمة "ناصرتي"، ومؤسسها علي سلام الذي انشق بالأمس القريب عن الجبهة  التي خسرت فيها ولأول مرة منصب رئاسة البلدية منذ صعودها عام 1975 م. انتهت الانتخابات بفوز ساحق لعلي سلام بعد أن أطاح بجبهة الناصرة وانزالها عن سدة الحكم ، سقطت الجبهة وكنا نتوقع منها استخلاص العبر وتلخيص ما جرى في الانتخابات الأخيرة ، غير أن ما جرى كان عكس ذلك وبدل أن تنهض من كبوتها دخلت في حالة سبات ، منتظرة الموسم الانتخابي القادم.

انتخابات عام 2018 وفوز علي سلام لدورة أخرى
أشغلت انتخابات بلدية الناصرة وسائل الاعلام المحلية ، كونها الأبرز في انتخابات البلديات والمجالس المحلية ، حيث قرر علي سلام رئيس قائمة ناصرتي ، أن يخوض معركة الانتخابات لرئاسة بلدية الناصرة  لدورة أخرى . رغم اجماع الأطر الحزبية المختلفة ومجموعات النخبة من رجال الأعمال وبعض الشخصيات الغاضبة التي لعبت دورا أساسيا في الانتخابات السابقة لإسقاط الجبهة على خوض معركة الانتخابات ضد نهج علي سلام لإنفراده باتخاذ القرارات المتعلقة بإدارة البلدية ، فكان أن ائتلفت قائمة الحركة الاسلامية مع قائمة " ناصرتي " ، في المقابل انضوت غالبية الأحزاب والقوائم  السياسية الأخرى ( التجمع الوطني الديمقراطي ، شباب التعيير، أبناء البلد والجبهة ) لدعم المرشح التوافقي وليد عفيفي الذي قرر قيبل الانتخابات بأشهر قليلة  المنافسة لخوض الانتخابات كمرشح مستقل للرئاسة  . بهذا تكون جبهة الناصرة ومنذ توليها رئاسة بلدية الناصرة عام 1975م ، قد تخلت ولأول مرة عن مرشحها للرئاسة لصالح مرشح من خارج اطارها التنظيمي.
أعتقد  أن القرار الذي اتخذته الجبهة لخوض الانتخابات دون مرشح للرئاسة ، كان كالسيف ، سلاحا ذا حدين . من جهة حاولت من خلال توجهها هذا استقطاب الأطر ، والأحزاب السياسية لدعم المرشح التوافقي الذي أجمعت عليه كل القوى السياسية ، بهدف حشد أكبر عدد ممكن من جمهور الناخبين المؤطرين حزبيا لدعمه. ومن جهة أخرى اعتقدت أن بتكتيكها السياسي هذا يمكنها كسب ، أصوات الفئات الشعبية من الناخبين.
احتدم الصراع بين الطرفين المتنافسين ، واستنفرت البلد بين مؤيد لهذا ومعارض لذاك . كما اشتد وطيس المعركة الانتخابية  التي لم تخل من العنف الكلامي والجسدي والمادي بهدف حسم المعركة . بهذه الظروف المتوترة والمشحونة ، جرت أعنف معركة انتخابية في مدينة الناصرة ، تمكن من خلالها علي سلام ، المدعوم من طرف الحركة الإسلامية ، الفوز بولاية أخرى بعد أن هزم منافسه رجل الأعمال وليد عفيفي ، وذلك بفارق نحو 13 ألف صوت. كما تمكنت قائمته للعضوية من الفوز بأغلبية مقاعد المجلس البلدي.

تلخيص البحث
في هذه المحاولة النقدية لفهم أسباب وعوامل الهزيمة التي منيت بها الجبهة في الناصرة على يد قائمة فردية انشق رئيسها علي سلام عن الجبهة الأم ، أن تنهض لبناء بيتها من جديد إذا صح التعبير ، حيث أن هناك حقائق أصبحت ثابتة ومن المتعذر الشك فيها ، أن الجبهة (كجسم سياسي) ، لا يمكنها الاستمرار باستخدام نهجها القديم في ادارة تنظيمها السياسي المهلهل ، حيث أنه ومنذ البداية كان واضحا للقيادة الشبابية التي واكبت تحركات الشارع النصراوي على كافة المستويات ( السياسية والفكرية والاجتماعية ...) أن الجبهة مثقلة بأعباء الإرث الذي حملته منذ بداية تأسيسها ، والتي جعلت انهيارها في انتخابات 2018 محتما . كان من الممكن تحقيق المستقبل الأفضل  لجبهة الناصرة لو عملت على حل خلافاتها الداخلية بشفافية ووضوح لتمنع الانقسامات الداخلية التي حدثت في صفوفها.
ان خروج الكوادر الشبابية  من أعضاء الحزب الشيوعي ومن ثم علي سلام من صفوف الجبهة كان خطأ تاريخيا ارتكبته القيادة الكلاسيكية المسيطرة والمهيمنة على اتخاذ القرار ، فجعلت من نفسها جسما هلاميا يفتقر لركائز العمل . كان من المفروض أن يبدأ ترتيب البيت من الداخل، على أسس واضحة وسليمة.
لا شك أن سقوط الجبهة في الناصرة وباقي الأحزاب التي خاضت الانتخابات الأخيرة ، لهو مؤشر خطير لواقع مدينة فقدت قيادتها بعد أن ابتعدت عنها الجماهير الشعبية التي تشكل العصب الرئيسي لأي عمل سياسي . لقد أخطأت الجبهة عندما وقفت ولمدة خمس سنوات وهي تنتظر موسم الانتخابات مؤمنة أنها ستعود لسابق عهدها . أتساءل هل يصلح العطار ما أفسده الدهر؟. كان من المفروض أن تعمل قيادة الجبهة على بناء كوادر قيادية شبابية  جديدة لأحداث الاصلاح ، غير أن ارتباطها بمرشح توافقي قرر خوض معركة الانتخابات في الأشهر الأخيرة منها ، لهو بمثابة الضربة القاضية لجسم تاريخي لعب دورا هاما في بناء مؤسسات المدينة على مدى أكثر من أربعة عقود.
أما بالنسبة لعلي سلام وقائمة ناصرتي التي أفرزتها الانتخابات السابقة ، لا يمكن التعويل عليها كثيرا ، حيث يدرك الجميع ، أن لا يمكن لشخصية فردية كعلي سلام  وان كان يتميز بشعبية عارمة بين مؤيديه ، أن يدير البلد لمدة طويلة إذا لم يقم بتشكيل اطار سياسي واضح المعالم فكريا وأيديولوجيا . لا أعتقد أن الكوادر التي تدير بلدية الناصرة من مؤيديه يمكنهم أن ينجحوا ببناء تنظيم سياسي محلي كبديل سياسي للأطر والأحزاب التي تحمل ارثا  فكريا وسياسيا واضح الرؤيا والأهداف.
أضف إلى ذلك أن على علي سلام وبعد تبوئه منصب رئاسة البلدية لدورة جديدة ، عليه أن يتفرغ للمشاريع التي لم يتم انجازها في الدورة السابقة ، وأن يعالج القضايا العالقة خصوصا أن البلدية مثقلة بالديون الكبيرة التي لا يمكن حلها خلال السنة الأولى . أما الخطأ الأكبر الذي من الممكن أن يقع فيه ، هو انضوائه تحت اطار سياسي قائم ، الأمر الذي سيدخله في دوامة جديدة لا يمكن أن يخرج منها منتصرا ، حيث أن الجماهير التي انتخبته ، انتخبته لشخصه هو بالذات وبالتالي في حال اختار من يمثله في أي عمل سياسي اّخر ستكون النتيجة الفشل والسقوط . كذلك لا نضيف جديدا اذا ما قلنا أن البلد دون أطر سياسية أو حزبية أو تنظيمية ستكون  في حالة فراغ سياسي ، وبالتالي ستصبح لقمة سائغة في أيدي السلطة  تحركها كما تشاء ومتى تشاء ، وذلك من خلال استخدام أساليبها المعروفة للجماهير العربية في الداخل.

استخلاص العبر وايجاد الحلول
ان المطلوب الاّن هو النقذ الذاتي لتصحيح المسار التنظيمي للجبهة أولا ، وللأطر السياسية الأخرى ثانيا ، كي تعيد نفسها المفقود وتضمن لها الالتفاف الجماهيري لتغيير الواقع . السؤال الأهم ما العمل؟. هذا هو السؤال الذي من المفروض على القيادة السياسية الاجابة عليه ، لكن أعود وأتساءل هل القيادة الجبهوية التي كانت  مسؤولة عن السقوط ، مؤهلة اليوم لإخراج تنظيمها من الوضع المتردي الذي وصلت اليه ؟ للاجابة على هذه السؤال ، لابد من الاعتراف أولا أن هذا التنظيم الذي فقد كل مركباته ، يبدو اليوم كإطار منهك القوى ولم يبقى منه سوى ارث الماضي . لحل مشكلة التنظيم عليها ( أي الجبهة) ، أن تتجه لبناء استراتيجية جديدة  يمكنها من خلالها ، خلق واقع جديد يعيد البناء التنظيمي لمساره الصحيح.من أهمها:
1 - التقييم  " كان من المفترض أن تقوم الجبهة ومنذ الضربة الأولى بتقييم عملها السياسي ، لتصحيح المسار .لكن ما حدث كان عبارة عن جلسات لجلد الذات واتهام الاّخرين بمحاولة ضربها والتاّمر عليها وما شابه ذلك . باختصار جلسات لا يحكمها العقل ولا المنطق . كان من المفروض عليها أن تقرر وتبت في كتير من الأمور لإعادة الأمور إلى نصابها.
2 - التقوقع في العمل الخدماتي (مؤسسة البلدية) : الطامة الكبرى ، أن القيادة الجبهوية وخلال العقدين الأخيرين ربطت نشاطها السياسي بمؤسسة البلدية وهي مؤسسة خدماتية تقدم الخدمات لجمهور المدينة . صحيح أن البلدية كمؤسسة خدماتية لها دور فعال وهام في الحفاظ على التنظيم ، لكن كان من المفروض أن لا يغيب عن القيادة السياسة الجبهوية العمل السياسي والجماهيري كمهمة أساسية في الحفاظ على القاعدة الشعبية والتي تعتبر العصب الرئيسي لأي نشاط سياسي يعصف بجماهيرنا الفلسطينية محليا وقطريا.
3 - بناء مؤسسات المجتمع المدني : إن أهم ما يميز مؤسسات المجتمع المدني على اختلاف غاياتها وأشكالها أنها قادرة على أن تتوسع في اطار ثلاثي الأبعاد : أفقيا على مستوى المشاريع والمبادرات والقاعدة الشعبية ، وطوليا على مستوى تنفيذ هذه المبادرات وتعدد الشرائح المجتمعية المنضوية تحتها وعلى مستوى العمق والبعد الذي تطرحه وتتناولة من قضايا تسهم في بناء التنظيم.
4 - الشباب بناة التغيير  : من أهم النقاط التي يمكن التخطيط لها واتخاذها كإستراتيجية لإحداث التغييرهو التخلص من الحرس القديم ، ودمج الشباب في مواقع قيادية هامة،خصوصا أن الشباب يتمتعون بطاقة حيوية متجددة يمكنها التفاعل مع المتغيرات والأحداث.
5 - التخطيط والتنفيذ  لبناء مشاريع مستقبلية : إن منهجية التخطيط وتأسيس قاعدة قوية يتم من خلالها التنفيذ لتحقيق الهدف لهي مهمة ضرورية وملحة لإعادة بناء الجسم السياسي.
وأخيرا لا يسعني إلا أن أقول: كي يكون هناك تغيير يجب أن تكون هناك قيادة سليمة ، حيث أنه لا يمكن من خلال هذه الظروف السياسية والهجمة الشرسة لضرب الأطر والأحزاب التي تمثل  جماهيرنا الفلسطينية في الداخل أن تخرج من مأزقها اذا لم  يكن هناك فهم عميق لما حدث في معركة الانتخابات الأخيرة في الناصرة .

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان:
 
bassam@panet.co.il.


“{{shareData.title}}”
جارى التحميل