نحو صحوة شيعية من رکام التطرف والانغلاق ورفض الآخر - د.السيد محمد علي الحسيني

موقع بانيت وصحيفة بانوراما

2019-05-11 18:35:28 - اخر تحديث: 2019-05-15 23:33:15

إن الخطوات الشجاعة والجريئة التي تحطم جدران الکبرياء المصطنعة التي تخلقها النفس في حالات الوقوع في خطأ أو

 أخطاء متعددة، انتصارا لحق أو حقيقة دامغة للجم النفس عن جنوحها وإيقافها عن حدها، هي خطوات لايملك الإنسان إلا أن يبجلها وينظر إليها بعين الاحترام والتقدير، وإن الاعتراف النوعي والهام جدا للداعية الشيخ عائض القرني والذي قدمه من خلال اعتذاره للشعب السعودي عن"الأخطاء التي خالفت الكتاب والسنة، وخالفت سماحة الإسلام، وخالفت الدين الوسطي المعتدل الذي نزل رحمة للعالمين"، هي في الحقيقة تجسيد لنهج الأصالة والمعاصرة في الإسلام من حيث وسطيته وسماحته وتيسيره وانفتاحه ورفضه للتقوقع على نفسه والانغلاق على مجموعة رٶى وأفکار محددة واعتبارها هي الاساس، فالإسلام فضاء کبير لاقرار ولاحدود له وقد حوى وسوف يحوي ملايين الأفکار والرٶى والتوجهات، وإن دينا له مثل هذه القدرة الفائقة يجب علينا الانتباه جيدا إلى أنه يعود لکونه دينا وسطيا مبنيا على الاعتدال والتيسير والقبول بالآخر واحترامه، وکيف لا وقد قال تعالى في کتابه الکريم:"ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن" وهو القائل عزوجل:" ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير"، ودين يمتلك خطابا اعتداليا كهذا، يتسم بالحکمة والتسامح، لايمکن أبدا أن يقبل التطرف والغلو والانغلاق ورفض الآخر.
 
*موقف القرني خطوة شجاعة لما يطرح اليوم من أفکار وبحوث ورٶى وتوجهات متباينة
هذا الموقف الشجاع للداعية القرني، والذي لاقى ترحيبا واسع النطاق، استوقفنا وجعلنا ننظر ونتأمل بشيء من العمق المصحوب بروية في الجانب الشيعي من عالمنا الإسلامي، وضرورة أن تکون هناك عملية مراجعة متأنية لما يطرح اليوم من أفکار وبحوث ورٶى وتوجهات متباينة من أجل العمل بها وأخذها کمسلمات في الحياة اليومية ولعل من أهم وأکثر وجهات النظر خطرا وخطأ في نفس الوقت، هو زرع اعتقاد بين أوساط الشيعة أن التطرف والإرهاب مرتبطان بالجانب السني من عالمنا الإسلامي بما يوحي بتبرئة کاملة للوسط الشيعي من أي تطرف وإرهاب، وفي ذلك خطأ کبير لابد من الانتباه إليه وضرورة تصحيحه والعمل على تنوير المسلمين الشيعة، کي لاينجرفوا في خطأ تم ارتکابه من قبل من توهم بتصور اعتقده الصواب وهو الخطأ بعينه.
 
**التطرف ظاهرة مرضية مستشرية في حياة المجتمعات وليست حكرا على جهة دون أخرى
قبل کل شيء، لابد من القول أن التطرف حالة ووضع سائد في مختلف المجتمعات والأحزاب والجماعات ولاسيما من حيث التعصب للآراء والقناعات، وعلى إلغاء الآخر ونفيه، والتعامل معه بتشدد وحدة فكرية أو سلوكية، ليس بالنهج الجديد، ولا يختص بفترة زمنية دون أخرى، ولا بمجموعة بشرية معينة، بل هو ظاهرة بشرية طبيعية موجودة منذ وجد الإنسان، وستظل موجودة ما دامت الحياة البشرية؛ لأنه يتعلق بطبائع البشر وميولهم ونفسياتهم وهذا ما يفسر التصنيفات الشائعة سياسيا داخل كل جماعة أو حزب، من متشددين ومعتدلين، صقور وحمائم، محافظين وإصلاحيين. وإذا فشل أي حزب أو جماعة في احتواء وجهات النظر الداخلية المتباينة، ولم تستطع هذه الأطراف التعايش مع بعضها البعض، فإن ذلك يفضي في كثير من الأحيان إلى انشقاقات وانقسامات.
 
*واجب على علماء الشيعة كما السنة النظر من جديد في كل المصادر التي تغذي التطرف وتشوه حقيقة الإسلام
ومن هنا ليس من الصحيح إطلاقا جعل الشيعة استثناءً من هذه القاعدة ولصق التطرف والإرهاب في الدين الإسلامي بالسنة فقط، بل من المهم جدا الإشارة إلى ذلك وتصحيحه وتبيانه، وإننا ندعو من هنا لکي يبادر العلماء الأجلاء، خصوصا حوزتي النجف وقم، لکي يعيدوا النظر في الکثير من الأمور والمفاهيم التي تساعد على تغذية ونمو واستمرار التطرف والانغلاق ودفعه باتجاه يسيطر على العقول ويوقفها عند حد وناصية معينة وإن البقاء على حالة من هذا النوع وعدم تطورها ومعاصرتها تقود إلى التطور والغلو وإن الغلو الديني والتطرف هو المصدر الرئيسي لتمزيق النسيج الاجتماعي وتكريس آليات التطرف عبر التاريخ، فظاهرة التطرف ظاهرة سلبية تجثم على صدر المجتمعات الإنسانية قديما وحديثا، ويبرز من بين مظاهرها المختلفة "التطرف الديني" الذي يقترن بالغلو والتشدد في الخطاب، وما يرتبط بذلك من لجوء إلى العنف، ورفض المختلف إلى حد قد يصل إلى تكفيره، بل ومحاولة إقصائه بشكل كلي.
 
**التنظيمات الإرهابية هي نتاج الخطاب الضال والمتطرف
إننا عندما ننظر لتنظيمات متطرفة لدى السنة نظير القاعدة وداعش وغيرهما حيث أنها إضافة لانغلاقها الديني فهي منغلقة طائفيا أيضا وقد انطلقت وتأسست جميعها على أسس ومرتکزات تم استقاؤها من مصادر ومن مراجع دينية والأخيرة "أي المصادر والمراجع الدينية" هي أساس المشکلة، فإن ذلك لايعني أن الجانب الشيعي آمن منها، بل إن هناك أيضا أيضا مايضاهيها ويشبهها، وإننا نرى ضرورة أن يکون هناك موقف من کتاب"عوائد الأيام" للشيخ أحمد النراقي حيث رفض فيه نظرية "التقية والانتظار"، ودعا الفقهاء إلى تولي زمام الأمور، واعتبر أن للفقيه ما للإمام من ولاية وصلاحيات دينية وسياسية، وهو رأي يجب أن يکون موقفا جامعا وواضحا منه، لأنه قاد لأحداث وتطورات وتداعيات سلبية على العديد من البلدان الإسلامية.
 
***التمحيص في كتب التاريخ السبيل الوحيد لاحتواء ظاهرة التطرف ووضع حد لها
وإننا إذ نسمع آراء ودعوات تدعو لإعادة النظر والتمحيص في کتاب صحيح البخاري لدى إخواننا السنة لما يحتويه من الأحاديث الملفتة للنظر، فإننا نجد من الضروري أيضا أن نبادر لعملية مراجعة وتمحيص لکتاب"أصول الکافي" للکليني، لنفس السبب خصوصا وأنه يثير أمورا وبدعا تدعو وتحث على التطرف والغلو، کما أنه من الضروري جدا أن يکون هناك رأي وموقف اتجاه العديد من المسائل والقضايا الأخرى السلبية الموجودة عند الجانب الشيعي، خصوصا وأنه بالأمس القريب خرج علينا أحد مراجع الشيعة من إيران يدعو إلى نبش قبري كل من الخليفة الأول والثاني واستخراج ما بقي من جثتيهما ليدفنا في مكان آخر، لأنهما يدفنان حاليا في أرض مغتصبة حسب قوله ألا وهي أرض فدك، وهو رأي يشابهه الكثير والذي يجهر ببعضه أحيانا، فيما يتم إخفاء الآخر والتکتم عليه هذا إذا ماتذکرنا أن هناك مزارا لقاتل الخليفة الثاني"رض" في مدينة شيراز حيث يتم التبرك به! وهذا برأينا منتهى الغلو والفتنة ولابد من أن يکون هناك موقف من هذه الأمور ومواجهتها بصراحة وشفافية.
العلامة د.السيد محمد علي الحسيني
الأمين العام للمجلس الإسلامي العربي في لبنان


هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان:
[email protected]

“{{shareData.title}}”
جارى التحميل