محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة، بقلم: الشيخ سعيد فالح بكارنة - الناصرة

2019-11-07 18:25:35 - اخر تحديث: 2019-11-07 18:34:36

يعتبر مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم من أهم الأحداث التي أثرت في تاريخ البشرية ، ذلك أن مولده صلى الله عليه وسلم كان إيذانا ببزوغ فجر جديد على البشرية ،


 فجر يغلب فيه النور الظلام ، ويسود فيه العدل والحق والأخلاق الكريمة ، ويقهر الظلم وتعم فيه الرحمة على العالمين كما قال الله تعالى : " وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ " (سورة الأنبياء آية 107)
إن البرية يوم مبعث أحـــمدٍ *** نظر الإله لــها فبدّل حالها
بل كرَّم الإنسان حين اختار من *** خير البريــة نجمها وهلالها
لبس المرقع وهو قائـــد أمةٍ *** جبت الكنوز وكسَّرت أغلالها
لما رآها الله تمشي نـــحوه *** لا تبتـغي إلا رضاه سعى لها

وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه و سلم أَنَّ سَبَبَ رَحْمَةِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنْ يَرْحَمَ الْإِنْسَانُ خَلْقَ اللهِ-جَلَّ وَعَلَا-فقال عليه الصلاة والسلام : «مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ لَا يَرْحَمْهُ اللهُ ». وفي حديث آخر - قَالَ : «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ». وروي عنه في حديث آخر: «لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ».
وقد أمر عليه الصلاة والسلام بالرفق ونهى عن العنف ، فعن عائشة رضي الله عنها: أَن النبيَّ صلى الله عليه و سلم قَالَ: إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفقَ، وَيُعْطِي على الرِّفق ما لا يُعطي عَلى العُنفِ ، وَما لا يُعْطِي على ما سواه ." وروي عنه في حديث آخر:" إِنَّ الرِّفقَ لا يَكُونُ في شيءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلا يُنْزَعُ من شيء إلا شانه " وقال عليه الصلاة والسلام في حديث آخر:" يَسِّرُوا وَلا تُعَسِّروا، وَبَشِّرُوا وَلا تُنَفِّرُوا." متفقٌ عَلَيْهِ
فَكُلُّ هَذِهِ النُّصُوصِ الْقَوْلِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ تَدُلُّ عَلَى اسْتِقْرَارِ الرَّحْمَةِ فِي نَفْسِهِ صلى الله عليه وسلم ، فَهُوَ نَبِيُّ الرَّحْمَةِ صلى الله عليه وسلم  ، وَدِينُهُ دِينُ الرَّحْمَةِ واللطف، لا دين الإرهاب والعنف .

رحمة الله للناس أجمعين
حقا هو رحمة الله للناس أجمعين ، عربهم وعجمهم ، أسودهم وأحمرهم ، مؤمنهم و كافرهم ، بل شملت رحمته ـ صلى الله عليه وسلم الطير والحيوان ، فكان رحمة لمن على الأرض جميعا فها هو صلى الله عليه وسلم يحث على الأخلاق السامية ويحرم دم المؤمن كما ورد عنه في الحديث الشريف : " لا تحاسدوا ، ولا تناجشوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ، ولا يبع بعضكم على بيع بعض ، وكونوا عباد الله إخوانا ، المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ، التقوى ها هنا –  ويشير إلى صدره ثلاث مرات – بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ، كل المسلم على المسلم حرام : دمه وماله وعرضه " رواه مسلم " ويقول في حديث آخر : " من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله "  وروي عنه قوله في حديث آخر:"لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما". وذهب عليه الصلاة والسلام إلى تحريم مجرد حمل السلاح حتى للإشارة إلى الشخص ، فقد روي عنه أنه قال : " من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى يدعه وإن كان أخاه لأبيه وأمه " " .

مثال عظيم في العفو والتسامح 
وها هو صلى الله عليه وسلم يضرب لنا مثالا عظيما في العفو والتسامح عندما دخل مكة فاتحا وإذا به يعفو ويصفح عمن آذوه أشد الأذى كوحشي قاتل عمه حمزة ، وعكرمة بن أبي جهل وغيرهم ممن أجرموا بحقه وحق أصحابه  ويقول لهم : " لا تثريب عليكم اليوم  اذهبوا فأنتم الطلقاء " .ولما صاح سعد بن عبادة رضي الله عنه في فتح مكة : " اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة اليوم أذل الله قريشا " قال عليه الصلاة والسلام : " اليوم يوم المرحمة  اليوم أعز الله فيه قريشا " ليؤكد عليه الصلاة والسلام أن الإسلام هو دين الرحمة وأن من الجهل أن يوصف الإسلام بأنه دين الإرهاب .
وقد كان عليه الصلاة والسلام أحسن الناس خلقا وقد مدحه الله تعالى في كتابه العظيم فقال تعالى :"وإنك لعلى خلق عظيم " (سورة القلم آية 4)  فرغم أنه عليه الصلاة والسلام أشرف العرب نسبا ،وأجمل الناس خلقة ،إلا أن الله تعالى مدحه بحسن الأخلاق . وقد بين عليه الصلاة والسلام أهمية حسن الخلق والمعاملة فقد روي عنه أنه قال : "أكمل ُ المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم ".  وروي عنه أنه قال :"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ".
 ومن هديه صلى الله عليه وسلم أنه أقر حقوق الإنسان الأساسية قبل أن تقرها دساتير الدول الغربية بمئات السنين ، فينادي صلى الله عليه وسلم بتحريم الاعتداء على الأموال والأعراض والدماء فيقول عليه الصلاة والسلام في خطبة الوداع الشهيرة التي قرر فيها المبادئ العامة للإسلام :" أيها الناس إن دماءكم و أموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا " . كما يقرر عليه الصلاة والسلام مبدأ الإخاء البشري وهو أن الناس جميعا هم أبناء  رجل واحد هو آدم وامرأة واحدة هي حواء فيقول عليه الصلاة والسلام :" كلكم لآدم وآدم من تراب ". كما ينادي عليه الصلاة والسلام بالمساواة بين الناس جميعا  فيقول :" لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى" . ويدعو عليه الصلاة والسلام إلى المساواة بين الغني والفقير والحر والعبد فيقول :" إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " .
وينطلق الهدي النبوي ، فيأمر برحمة الحيوان وعدم القسوة معه، ومن الرحمة بالحيوان والطير في هدي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه لا يجوز تعذيبها ولا تجويعها، أو تكليفها ما لا تطيق ، ولا اتخاذها هدفا يرمى إليه ، بل وتحريم لعنها ، وهو أمر لم ترق إليه البشرية في أي وقت من الأوقات ، ولا حتى في عصرنا الحاضر ، الذي كثرت فيه التغني بالرفق بالحيوان .
وقد شدد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ المؤاخذة على من تقسو قلوبهم على الحيوان ويستهينون بآلامه ، وبين أن الإنسان على عِظم قدره وتكريمه على كثير من الخلق ، فإنه يدخل النار في إساءة يرتكبها مع الحيوان ، فقد دخلت النار امرأة في هِرَّة ، حبستها فلا هي أطعمتها ولا هي أطلقتها.. وفي المقابل دخلت الجنة امرأة بغي في كلب سقته، فشكر الله تعالى لها فغفر لها .
صلى الله عليك يا نبي الرحمة .

 

 


 

“{{shareData.title}}”
جارى التحميل