عندما تبحث عن مكان يلائم قدراتك، قصة قصيرة بقلم: أسماء الياس

2019-11-16 12:23:56 - اخر تحديث: 2019-11-27 10:53:51

كان يبحث عن طريقة حتى تكون بداية لحديث طويل... قد يستغرق ساعة... أو ساعتين... ربما أكثر... كان ينظر نحوي ويتأملني... بتلك اللحظة اتجه نحوي...


أسماء الياس - صورة شخصية     
                      

أمسك يدي وقال لي انت أكثر الناس تفهماً... أخبريني ماذا أفعل... وقد وضعت بمأزق لا يحسد عليه... قلت له ما المشكلة... كانت عيونه ذابلة... كأن الحياة قد تجاوزته... قال لي لقد تعبت من هذه الأحداث التي تمر بها البلاد... قلت لكن ألم تتعود عليها... ونحن من سنين طوال ونحن بهذا الوضع الذي لا يحسد عليه... قال نعم معك حق... لكن ألم يئن الأوان حتى يعم السلام... معك حق.. لكن ماذا نفعل؟ غير أن نجلس وننتظر حلاً... ربما يأتي قريباً لا تخف...

أقول لك شيئاً لقد قررت الهجرة... إلى أين؟... لا أعلم سوف أدرس الامكانية... وابحث عن مكان يلائمني... ويلائم دراستي وعلمي... هل أنت متأكد بما عزمت عليه... نعم مليون بالمئة... أيام وأنا أفكر بذلك الشيء... ليالي طوالاً لم أذق بها طعم النوم... لقد تعبت ولم أعد قادراً على العيش وسط كل تلك الأحداث المتلاحقة... كل يوم يقتل شابٌ مازال بريعان شبابه... وكل يوم تقتل شابة لأنهم يعتقدون بأنها لوثت شرف العائلة... أصبحت أكره العيش هنا... على فكرة لو استطعت لكنت انتقلت لكوكب آخر... لقد تعب من الحياة على هذا الكوكب المليء بالعنف... كل يوم جريمة قتل... وكل يوم نزاع على ملكية أو على ارض... حروب لا نهاية لها... لقد تعبت يا سعاد... لم يعد لدي قوة على تحمل كل ما يحدث حولي...

لقد تحدثت مع صديق لي سافر إلى اليابان ببعثة حتى يُكمل دراسته هناك... سألته إذا كان باستطاعته مساعدتي... قال ياسر سوف أحاول... لكن علي أن أرسل له كل الشهادات التي بحوزتي... حتى يستطيع مساعدتي بإيجاد عمل بإحدى المؤسسات الكثيرة... هناك يعتمدون على الخبرة... وأنت تعلمين لقد عملت بمجال الحوسبة والأجهزة المتطورة سنوات طوال... ولدي مخزون كبير من الخبرة...

أرسلت له عبر البريد الإلكتروني كل ما يلزم من أرواق وشهادات الخبرة التي بحوزتي... قمت بترجمتها للإنجليزية... وها أنا أنتظر الجواب...

كان فريد يتحدث معي لكن عيونه كانت شاردة... كأنه يبحث من خلالي على ذلك الضوء الذي يكون بنهاية النفق... كنت بالنسبة له هذا الشيء... تلك الثقة التي بنيت بيننا خلال تلك السنوات التي بها تعارفنا... وأصبحت صداقتنا قوية متينة... لم أتصور في  يوم من الأيام... أن يترك هكذا بكل بساطة... ويذهب أين...إلى مكان بعيد... لا أعرف كم من الزمن سوف يبقى هناك...

مر أسبوع على هذا الحديث... حتى جاء اليوم الموعود... اتصل فريد وقال لي لقد حجزت تذكرة وقد تقرر سفري... نزل علي هذا الخبر مثل الصاعقة... مع أني كنت متوقعة أن يسافر... لكن كان لدي أمل حتى لو كان بسيطاً أن يلغي تلك الفكرة من أساسها... لكن الظاهر كان مصمماً على أن يحدث تغيير بحياته... قال لي يوماً ما... إذا لم أجد منفذاً من خلاله أخرج من هذه القوقعة سأنتحر بلا شك... كنت خائفة ان ينفذ فعلته... لكن أحمد الله لأنه وجد بالنهاية مبتغاه... مع أني حزينة لفراقه... لكن الشيء الذي جعلني أواسي نفسي بأنه سيكون بخير...

سافر فريد لكن علاقاتنا لم تنقطع... بقينا على تواصل... عندما استقر به المكان... اتصل وقال لي هل توافقين على المجيء... هنا الحياة جميلة وهادئة... لكن بأي صفة قلت باستغراب... قال سوف نتزوج ونعيش هنا... الم تلاحظي مدى عشقي لك... نعم لاحظت... لكن لم أجرؤ على مفاتحتك بالموضوع... باعتبار كنت غير مستقر نفسياً ولا مادياً... والأهم نفسياً... نعم أصدقك القول... ماذا تقولين... سوف أفكر ومن ثم يجب أن أخبر الأهل... نعم معك حق...

وافق الأهل بعد حديث طويل استنفذت به كل الوسائل لإقناعهم... وأخيرا وافقوا... سافرت وقلبي ينبض باسم حبيبي... تزوجنا... وعشنا هناك...

بعد عشرين عاماً عدنا بزيارة... وكان الوضع ما زال على حاله... القتل العنف مازال على حاله... نظر نحوي فريد وقال ألم أقل لك لن نتغير... نحن شعوب تحافظ على فولكلورها.... ضحكت وكان ابننا وابنتنا قد أصبحا بجيل واع عالم ماذا ينتظرهم.... وكان أن ساروا على نهج الأب وعملوا بنفس العمل... تطورت الصناعة في اليابان ... وكان الفضل لعقول أحبت التغيير... وكان فريد إحدى تلك العقول....
                                              

“{{shareData.title}}”
جارى التحميل