يريدونني.. بقلم : محمد علي طه

2020-02-13 10:00:47 - اخر تحديث: 2020-02-14 09:25:03

يريدونني سلعةً في سوق العرض والطّلب، سهمًا في بورصة نيويورك، يتداولها الصّيارفة والمرابون، وأمّا أنا حينما أتناول فطوري وأغمس لقمة خبزي بالزّيت والزّعتر،


محمد علي طه

وأرى حجارة القدس لا تهتزّ شعرةٌ في جسدها وتردد: جاء المغول ثمّ جاء الفرنجة ثمّ جاء نابليون ثمّ جاء اللنبي. فأقول: فشروا!
يريدونني مهزومًا ذليلًا خنوعًا يوقّع على أوراق كوشنير وفريدمان ونتنياهو ويختزلونها ك.ف.ن فأردّ عليهم بإباء:
إذا لم يكن من الموت بدٌّ فمن العار أن تموت جبانًا!
يريدونني أن أقف في ساحة رابين وأغنّي التكفا، ولكنّني مشيت حتّى قلعة يافا وأنشدت بصوت قويّ: "بلادي بلادي"، فردّدت حجارة القلعة: "موطني موطني".
يريدونني أن أطلّق ألواني الأربعة وأن أستعيض عنها بلوني بيتِ أبي الطّيّب المتنبّيّ:
وردٌ إذا ورد البحيرةَ شاربًا ورد الفرات زئيره والنّيلَا.
فسمعت صفيّ الدّين الحليّ يهتف:
بيضٌ صنائعنا، سودٌ وقائعنا، خضرٌ مرابعنا، حمرٌ مواضينا.
يريدونني خصيًّا عند سيّدات رمات هشارون، وخادمًا في فيللا الجنيرال في هرتسليا، وأجلي صحون الحانات في تل أبيب، وأنظّف أرصفة شوارع رمات جان، وأقول لهم: راحة عليكم فأنا الطّبيب والصّيدلانيّ والمهندس والعالم ذو القامة المنتصبة والهامة المرفوعة.
يريدونني هنديًّا أحمرَ، يطارده الفارس الأبيض ذو الدّم الأزرق، على جبال الخليل والقدس وعيبال، وفي الأغوار والسّهول والوديان، وفي حواري المدن العتيقة، وعندما أتعفّر بدمي مخضّبًا تراب الوطن يسلخ الفارس الأبيض جلدةَ رأسي ويضعها بأناة في جرابه القبيح كي يتضّخم الرّقم الّذي سيفخر فيه، وهو يجيب بزهو ديكٍ روميّ على أسئلة المذيعة الحسناء في التلفاز، أو عندما يلقي خطابه الأول في البرلمان ويصافحه الزّملاء المعجبون.
يريدونني هائمًا على وجهي في صحارى الأعراب، لا يسعفني أهلي بشربةِ ماءٍ ولا بكسرة خبز، لأنّهم مشغولون بقطف أوراق التّين ليستروا عوراتهم، فأقول بصوت جهوريّ: كأنّنا عشرون مستحيل... وعلى صدوركم باقون.
يريدونني شريدًا طريدًا وأردّ بعزيمة: باقٍ هنا. إمّا عليها وإمّا فيها.

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان:
[email protected].



لمزيد من زاوية مقالات اضغط هنا

 

“{{shareData.title}}”
جارى التحميل