مقال: انطون تشيخوف.. حوذي عربة وحصان وحيد

بقلم : ناجي ظاهر

2020-10-15 10:06:21 - اخر تحديث: 2020-10-16 09:14:11

ايونا بوتابوف شخصية متخيلة ابتكرها الكاتب الروسي خالد الذكر انطون تشيخوف، ودفع صاحبها لان يكون بطل واحدة من اشهر قصصه القصيرة على الاطلاق.


صورة من ناجي ظاهر

قصة الشقاء او التعاسة، او اي اسم يحمل معاني الوحدة وما تخلفه من مشاعر الاغتراب على صاحبها. هذه القصة ترجمت الى العربية مرات عديدة واكاد اقول العشرات.. اذا لم يكن اكثر.
الجو بارد والثلوج تملا الامكنة، وهناك في الضباب الثلجي والاضواء الكابية.. يجلس بوتابوف، على مقعد القيادة الحزين في عربته بانتظار من يأتي ليقله الى مكان آخر مقابل اجرة تقيه ذل السؤال، لقد مضت على حوذينا لحظات تعيسة تمثلت في معاناته بسبب ظلم وحيف لحق بابنه، انه يريد من يتحدث اليه عن همومه الصغيرة/ الكبيرة هذه.
بينما هو يعيش حالة الانتظار هذه، وما يخالجها من مشاعر الغربة والوحدة، يبلغ اسماعه صوت سرعان ما يتبين انه لضابط شرطة، يطلب منه ان يقله الى مركز الشرطة في المدينة. بسرعة هائلة يتخذ الضابط مجلسه في العربة وينطلق به الحوذي في الفضاء الرحب. وبينما الحوذي يفكر في ابنه وفي معاناته، يتوجّه اليه الضابط الراكب طالبا منه حينا الاتجاه نحو اليمين واخر ناحية اليسار. الرغبة لدى الحوذي في الافصاح عما بنفسه تكبر، وتوجيهات الراكب تكبر ايضا. يجري هذا كله وسط محاولات من الحوذي المكلوم لان يبدأ برواية قصته وما تحفل به من الام.
الرحلة القصيرة تطول، والعربة تنطلق انطلاقة صماء، لا احد فيها يستمع إلى الآخر، كل يفكر في همومه الخاصة، ناسيا او غائبا عن باله ان هناك معه والى جانبه في العربة انسانًا يحس ويشعر ولديه ما يود قوله، اما المنتصر في هذه المعركة فهو الضابط الراكب، فهو يعرف وجهته، في حين ان الحوذي يعيش في متاهته الاسرية الخاصة.. فمن يستمع اليك وإلى معاناتك يا ايونا بوابوف؟
اخيرا تصل العربة الى هدفها، الراكب يترجّل منا مُنهيًا الموقف، فيما تتواصل مشاعر الحوذي في الالحاح فمن يستمع اليه؟
القصة تنتهي بان يربّت ايونا على خذ قائد عربته واكاد اقول مسيرته الحصان، ويأخذ في التحدث اليها عما يشعر به من الام ومعاناة. الحصان وحده من يستمع الى ذلك المسكين.. مسكين يستمع الى مسكين اخر. بهذا يتمكن بوتابوف من الخروج من وحدته الكونية الشاملة.. فهل خرج حقا؟ سؤال مؤس ولا نهائي في عصر يفرض على ابنائه عزلةً قاتلة ووحدة شبه مؤبدة. ما اقسى هذا.
قصة تختصر الوجود الغريب.. في عالمنا.. القريب.

 

 


 


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ [email protected]
“{{shareData.title}}”
جارى التحميل