قصة إزرع ما حصدت

موقع بانيت وصحيفة بانوراما

2021-07-31 15:03:32 - اخر تحديث: 2021-08-04 06:52:47

في بلاد فارس البعيدة مملكة يسودها الهناء تحت حكم مَلكها، أرضها مخضرّة، سماؤها مُمطرة، ثمارها يانعة، هواؤها نقيّ، يعيش شعبها في كنف الطُّمأنينة والسّعادة،


صورة للتوضيح فقط - تصوير: iStock-Eva-Katalin

أرزاقه حاضرة، لا يأكل إلاّ أطيب الطّعام ولا يشرب إلاّ حلواً عذباً، تحيط بالملك حاشية مطيعة، وزراء مخلصون ومستشارون أمناء، كلّ هذا جعل من مملكة بلاد فارس مملكة آمنة.
في الصباح اعتاد الملك أن يأخذ حمّاماً قبل تناول وجبة إفطاره، وبينما هو يستحمّ، لاحظ أنّ جسمه يغطّيه بَرَص، ويكاد يصل إلى وجهه، فذُعر من الأمر، جمع كلّ الأطباء من داخل المملكة ومن باقي دول العالم من أجل شفائه، لكن لا أحد توصّل إلى علاج لهذا المرض الجلدي، فاستاءت حال الملك النّفسية، اعتزل رعيّته ولم يعد يغادر غرفته.
بعد شهر من هذا الحال، تأزّمت حال الملك أكثر، وليس هناك دواء بعد. فكّر وزراؤُه مليّا للبحث عن حلّ عاجل، الرّعية تفكّر في ملكها وحاله، يتمنّون له الشّفاء…
جاء رجل من أقصى بلاد اليونان بعدما سمع خبر مرض الملك، دخل المملكة، سأله الحراس عن هويّته، فأجابهم بأنّه طبيب حكيم، على دراية واسعة بعلوم الطّب وبالعلوم الأخرى، وأيضا خبير بطبّ الأعشاب.
أخبر الحرّاس الوزير الأوّل للملك بالرّجل اليوناني الّذي حلّ بمملكتهم، وأدرك الوزير ساعتها أنّه يمكن أن يقدّم شيئا بحكم أنّه قادم من بلاد العلوم. فسمح له بالدّخول إليه.
سأله الوزير: ما غايتك وما قصدك أيّها الطّبيب الحكيم؟
أجاب الطّبيب: وما غاية أيّ طبيب سِوَى أن يرى مريضه قد شُفي، أو أن يكون الشّفاء من السّقم على يديه. وقد سمعت بمرض الملك، فجئت بدواء يشفيه في رمشة عين من برصه.
أُعجِب الوزير من الثّقة التي يمتلكها هذا الطّبيب، فاتّجه إلى الملك وأخبره بالأمر، إلاّ أنّه ردّ مستاء: لقد مللت من هذا، أشهر الأطبّاء فَشِلوا فكيف ينجح هذا. إستأت من وضعي، فإذا تمكّن من شفائي سأهديه ما يريد، سأمنح له هدايا كثيرة، وسيكون طبيبي الخاصّ. أمّا إن فشل سَيُعدم ويُقطع رأسه ليكون عبرة للآخرين.
قَبِل الحكيم بالمغامرة وإلتزم بأمر الملك، وطلب من الوزير أن يتركه مع الملك لوحدهما ليباشر العلاج فوراً، خلع الملك لباسه، وكانت الطريقة عجيبة غريبة لا مراهم ولا زيوت عشبيّة، فقط الوصفة هي النّظر إلى البرص والتّركيز في البقع فتختفي!!!
في دقائق زالت كلّ البقع، وذهب البَرَص، إندهش الملك وكانت سعادته لا توصف أبدا، نظر إلى المرآة، جسمه صار صفيّاً نقيّاً، فقال: (يا حكيم مكانك من الآن فصاعدا معي، من هذه اللّحظة أنت طبيبي الخاص).
وأمر الملك بأغلى الهدايا للحكيم، وقرّبه منه فصار أنيساً جليساً صديقاً له، هنا بدأت الغيرة والحسد يدبّان إلى قلب الوزير، وشعر بأنّ مكانته بدأت تتزعزع، وأنّ الحكيم بات يشكّل له خطراً، ففكّر الوزير بخطّة ينهي بها حياة الحكيم، ويمحي أثره تماما.
قصد الوزير مجلس الملك، وقال له: (مولاي أريد أن أخبرك بشيء، إنّ هذا الحكيم جاء من بلاد اليونان، وقد يكون جاسوساً علينا).
قاطعه الملك قائلاً: (لكن يا وزيري، شفائي تمّ على يديه، ولو أراد بي مكروهاً لفعله لمَّا إختلى بي).
ردّ الوزير: (هي خطّة شرع فيها، ولو رأينا منه شيئا لشككنا فيه، لكّنه ولتنفيذ خطّته، قام بمداواتك، وبعدها سيُنهي خطّته بقتلك بالطّريقة التّي شَفَاك بها، بنظرة فقط).
إقتنع الملك بكلام وزيره، وطلب بإحضار الحكيم الذّي أراد أن يغيّر نظرة الملك إليه لكنه لم يستطع، فطلب منه أن يمنحه آخر أمنية ورجاء، وطلب أن يُرْجع به إلى بيته، ليُحضر كتاب العجائب والغرائب ويُهديه للملك.
وافق الملك على طلبه، وأحضر الكتاب، وقال له: مولاي، ستجد صفحة عنوانها دواء الموت، ضع رأسك عليها، وتمنّى ما تريد، سيتحقّق لك ذلك.
أخذ الحرّاس الحكيم لإعدامه، وظلّ فِكر الملك مع الكتاب ومع لغز تلك الصّفحة، شرع في تقليب الصّفحات، وكثير منها كان ملتصقا ببعضه البعض، فاستعمل ريقه ليفكّها، إلى أن وصل إلى الصّفحة المقصودة والمكتوب عليها (دواء الموت)، شعر ساعتها بحرقة في صدره، وألم شديد في بطنه، أحشاؤه تمزّقت فبدأ يصرخ ويصيح، إلى أن سقط أرضا ميّتا. فكان جزاء له أن سمع غدر وزيره، وقد كان مكتوباً في آخر هذه الصّفحة هذا جزاء الغدر، إزرع ما حصدت.
الموعظة من هذه القصة التي هي من ضمن قصص اطفال قبل النوم، أن مانزرعه اليوم سنجني ثماره غداً دون ادنى شك، فإزرع الحب والعمل الصالح في كل اعمالك وأبنائك لتجدهم ذخراً صالحاً لك مستقبلاً.


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ [email protected]
“{{shareData.title}}”
جارى التحميل