جمال الدين الأفغاني - نقطة ضوء

بقلم: د. عمر امين مصالحة

2021-09-06 12:04:17 - اخر تحديث: 2021-09-07 08:16:20

ولد جمال الدین الأفغاني سنة 1839م، في أسد آباد بأفغانستان، كان والده السيد صفتر من السادة الحسينية، بحيث يرتقي نسبه إلى علي زين العابدين

 
د. عمر امين مصالحة - صورة شخصية

بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومن هنا جاء التعريف عنه بالسيد جمال الدين الأفغاني.
يؤكد المؤرخ مصطفى جواد في كتابه " أصول التاريخ والادب، مجلد 21، ص87.) أن جمال الدين الأفغاني يعتبر من أهم الشخصيات الأفغانية المؤثرة، وقد ظهر للمرة الأولى شاباً سواحاً يجعل من الشرق كله وطناً له فيزور بلاد العرب ومصر وتركيا، عاش في موطنه أفغانستان والهند وفارس وسافر إلى كثير من العواصم الاوروبية.
وقد نشأ في اسرة دينية ليكون مسلماً صوفياً، وعُرف من المسلمين الأصوليين. حدث خلاف شديد بين الكثير من المؤرخين والكتاب حول الدولة التي ينتمي إليها جمال الدين الأفغاني، وأوثقها انتمائه "لأفغانستان" وهو ما أثبته محمد عمارة بمؤلفه (الاعمال الكاملة جمال الدين الافغاني ج2 ص 32). وهناك لعديد من الاثباتات التي تنفي ألإدعاء بشيعية جمال الدين الأفغاني.

مسيرة الافغاني    
تعلم الافغاني في البداية العربية والفارسية، ودرس القرآن وشيئًا من العلوم الإسلامية، وعندما بلغ الثامنة عشرة أتم دراسته للعلوم، ثم سافر إلى الهند لدراسة بعض العلوم العصرية.
رحل جمال الدين عن أفغانستان سنة 1868م، ومر بالهند في طريقه إلى مصر حيث مكث هناك مدة قصيرة تردد أثنائها على الأزهر، وأصبح بيته مزارًا لكثير من الطلاب والدارسين خاصة السوريين. ثم سافر إلى " الأستانة " في اسطنبول فلقيت دعوة الافغاني في التعجيل بالإصلاح صدى طيبًا لدى العثمانيين.
بعدها عاد الأفغاني إلى مصر، ولقي من الحفاوة والتكريم من أهلها ما حمله على البقاء بمصر، وكان لجرأته وصراحته أكبر الأثر في التفاف الناس حوله، فأصبح له مريدون كثيرون، فحسده الشيوخ لقبوله عند الناس.
خاض الأفغاني غمار السياسة المصرية، ودعا المصريين إلى ضرورة تنظيم أمور الحكم، وقد أدى ذلك إلى استياء الطبقة الحاكمة منه، خاصة كراهيته وبغضه للإنجليز. فلما تولى الخديوي توفيق باشا حكم البلاد أخرجه من مصر، فانتقل الأفغاني إلى الهند، بعد أن أقام في مصر نحو ثماني سنوات. ثم غادر الهند إلى لندن، ومنها انتقل إلى باريس حيث اتصل بالشيخ محمد عبده، وأصدرا معًا جريدة " العروة الوثقى".

" مقالات نقدية "
لم يتوقف الافغاني عن الكتابة في السياسة، فكانت صحف باريس منبرًا لمقالاته السياسية النقدية الساخنة. دعاه شاه إيران " ناصر الدين " للحضور إلى طهران واحتفى به وقربه، وهناك نال الأفغاني تقدير الإيرانيين وحظي بحبهم، ومالوا إلى تعاليمه وأفكاره، ولكن الشاه أحس بخطر أفكار الأفغاني على العرش الإيراني، وتغيرت معاملته له. من هناك انتقل إلى موسكو ثم بطرسبرج، وكان يلقى التقدير والاحترام في كل مكان ينزله، ويجذب الكثيرين من المؤيدين والمريدين. 
كان منهج الأفغاني في الإصلاح الديني الدعوة إلى القرآن الكريم والتبشير به. فكان هذا أكبر ما طمح إليه الأفغاني، كان يرى ان القاعدة الأساسية للإصلاح وتيسير الدين هو الاعتماد على القرآن الكريم، ويقول: " القرآن من أكبر الوسائل في لفت نظر الإفرنج إلى رقي الإسلام، لكنهم يرون حالة المسلمين المتردية، لابتعادهم عن مفاهيم القرآن ".
القرآن وحده سبب الهداية وأساس الإصلاح، والسبيل إلى نهضة الأمة: " ومن مزايا القرآن أن العرب قبل إنزال القرآن كانوا في حالة همجية لا توصف، فلم يمض عليهم قرن ونصف قرن حتى ملكوا العالم، وتخطوا أمم الأرض سياسة وعلمًا وفلسفة وصناعة وتجارة " فالإصلاح الديني لا يقوم إلا على القرآن وحده أولاً، ثم فهمه فهمًا صحيحًا حرًا، وذلك يكون بتهذيب علومنا الموصلة إليه، وتمهيد الطريق إليها، وتقريبها إلى أذهان المسلمين.
توفي الأفغاني في الأستانة بعد حياة شاقة مليئة بالمتاعب والصعاب، عن عمر بلغ نحو ستين عامًا. حفلت حياته بالجدل والإثارة، فقد ثار الجدل أيضًا حول وفاته، وشكك البعض في أسبابها، وأشار آخرون إلى أنه اغتيل بالسم.

جريدة العروة الوثقى
أخفقت الثورة العرابية، واحتل الإنجليز مصر، فسمحوا للأفغاني بالذهاب إلى أي بلد يشاء، فاختار الذهاب إلى أوروبا سنة 1883، وأول مدينة نزل بها لندن، وأقام بها أياماً معدودات، ثم انتقل إلى باريس، وكان تلميذه محمد عبده منفياً في بيروت عقب إخماد الثورة العرابية، فاستدعاه الافغاني إلى باريس، وهناك أصدر الافغاني ومحمد عبده جريدة "العروة الوثقى"، (بمعنى الرِبَاطٌ القَـوِيٌّ) وقد سميت باسم الجمعية التي أنشأها جمال الدين الافغاني، أقيمت هذه الجمعية لدعوة الأمم الإسلامية إلى الاتحاد والتضامن والأخذ بأسباب الحياة والنهضة، والتصدي للاستعمار، وتحرير مصر والسودان من الاحتلال، وكانت تضم أعضاء من كافة العالم الإسلامي، الأمر الذي حفز الأفغاني بإصدار الجريدة لتكون لسان حال الجمعية.
اشترك الافغاني ومحمد عبده معاً في تحرير " العروة الوثقى "، وكانت مقالاتها جامعة بين روح جمال الدين، وقلم محمد عبده، فجاءت بأسمى الآيات والمعاني، وقوة الروح وبلاغة العبارة، كانت تثير الشجاعة في نفوس قارئها، واتخذت العروة شعارها إيقاظ الأمم الإسلامية، والمدافعة عن حقوق الشرقيين كافة، ودعوتهم إلى مقاومة الاستعمار الأوربي والجهاد.
وقد ذاع شأن " العروة الوثقى " في العالم الإسلامي وأقبل عليها الناس في مختلف الأقطار، ولكن الحكومة الإنجليزية منعت توزيعها في مصر والهند، وشددت في مطاردتها واضطهاد من يقرؤها، وبلغ السعي بالسلطات الانجليزية في مصادرة أعدادها في الأسواق، كما أوعزت إلى الحكومة المصرية بتغريم كل من توجد عنده جريدة العروة الوثقى بخمسة جنيهات مصرية حتى مبلغ خمسة وعشرين جنيهاً، وأقامت السلطات الانجليزية الموانع دون استمرارها، فلم يتجاوز ما نشر منها عدا ثمانية عشر عدداً. قضى جمال الدين في باريس ثلاث سنوات، كان لا يفتأ خلالها بنشر المباحث والمقالات الهامة في مقاومة اعتداء الدول الأوربية على الأمم الإسلامية، ويراسل تلاميذه في مصر.


هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان:
[email protected] .


 


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ [email protected]
“{{shareData.title}}”
جارى التحميل