لا تفرحوا بصمتي - بقلم : د.محمد زيناتي

2021-09-10 08:59:22 - اخر تحديث: 2021-09-10 09:34:06

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين واصحابه الميامين والتابعين لهم باحسان الى يوم الدين ..


اما بعد ، ان افضل ميزان لرقي أمة، صدق افرادها في اقوالهم وأعمالهم ..
كثيرون منا من مؤمنين وغير مؤمنين، يتصارعون في الحياة اليومية بين الصدق والبهتان، وهنا ارتأيت ان يكون عتبي على هذا الصراع ومسبباته.
لا بد من الوقوف ولو بغيض مختصر على معنى العتاب وتعريفه حتى يتسنى للقارئ من الوقوف بصورة موضوعية لما يحمله هذا المقال من طروحات واقوال .
العتاب بمعناه اللغوي : لام وخاطب طالبا حسن المراجعة .
العتاب بمعناه الاصطلاحي : الرجوع عن الذنب والاساءة .

أحبائي واخواني، كل انسان يستطيع ان يتعلم الكلام في سنة او سنتين او ثلاث لكن لكي يتعلم الصمت يحتاج احيانا الى سنين عمره كلها ! وقليلون من يستطيعون اتقان هذه اللغة التي هي من اصعب اللغات التي يتعامل بها قليلون من الناس وهي لغة مؤلمة جدا ...

الصمت لغة احترام !
منذ نعومه اظافرنا وعند زحفنا الاول بأرض الحياه بعدما فطمتنا امهاتنا عن الرضاعة، اول ما علمني اياه ابي كان من أساسيات الاحترام  آنذاك ، اياك ان لا تصمت عندما يتكلم الكبار واصحاب المقام ومن هم أكبر قدرا" وسنا" ، هكذا يحترمك الناس جميعا" ويثنون على تربيتي وتربيت أمك لك ...
مرت الأيام وكبر الفتى وكبرت معه نصائح والده الذي اعتبرها منهج حياة، حتى أخذت الدنيا تنقله من موقف الى موقف، وكل موقف يرى به اعوجاج وعدم مصداقية، يتحاشاه نزولا " عند تعاليم والده " رغما عن استيائه الشديد ولكن ...

أصبح الفتى صاحب سيط بين معارفه بأنه لا مبالي وبدون شخصية، اّلمه هذا كثيرا" وتساءل : والدي يا والدي رحمة الله عليك ، من المخطئ ؟  انا أم المجتمع ام انت يا والدي ...

كان الفتى " فذا" في دراسته خلوقا بتربيته شجاعا باتخاذ القرارات ، فبعد تخرجه من مدرسته رحبت به جميع الجامعاتلكنه أبى ان يدرس الا في بلاد الغربة البعيدة ، ليستقي من مناهلها ما تيسر من علم ولينكشف على حضارات جديدة، فلملم جراحه وأختزن بداخله كرامة عائلته وكرماته وأقلعت الطائرة ... حطت الطائرة بعد سفر ساعات طوال، وبدأ صراعه بين عالمين:
العالم الأول – العادات والتقاليد التي تربى عليها
العالم الثاني – عالم متحرر لا تقيده عادات وتقاليد..

من اصعب المواقف كان الاحتكاك المباشر بين اتخاذ القرار او التخاذل عنه، فقد تم دعوه هذا الفتى لسهره سمر مع طلاب الجامعة المنتمي اليها ولم يكن يعلم بطابع الحفلات الأوروبية، وكم كانت دهشته مما رأى !
نسف لكل ما تربى عليه، خمر ، سكر، لبس تعري، وكثير من المباح واللا مباح، وأكتر ما ادهشه أن شبابا من بلاده سافروا للعلم معه اكتسبهم هذا العالم الى صفوفه .
عاد الفتى لبيته مع تساؤلات كتيرو وتوجب عليه بينه وبين ذاته أن يتأخذ قرارا في كيفيه تعامله مع فترة الدراسة من منطلق الصعيد الاجتماعي .

بعد فترة ليست بطويلة دعاه اصدقاؤه من جديد لحفله بمناسبه عيد عميد الجامعة ، فسأل؟
اتشبه الحفلة الأولى، فأجابوا : أجمل بكثير سنسكر ونثمل حتى الصباح  . فقال سأخبركم غدا برأيي.
في اليوم الثاني بادر لزياره عميد الكلية وهنأه، وأعتذر عن المشاركة وفند الاسباب بالرغم انه ليس بمتدّين ولكنه يمتثل الأعراف لو تخلى عنها لتخلى عن عزته وكرامته.
وكم كانت دهشته كبيرة عندما شكره العميد على صراحته وأتني على اخلاقه ومواقفه وهنا كان الفتى يكسر حاجز الصمت للمرة الأولى بحياته بشجاعة وعن حق .  لا تظنوا أن تصرف الفتى قوبل بالترحاب من اصدقائه ابناء بلاده العرب، بل نعتوه بالرجعي ، المتخلف ، عدم الرجولة والبخل ، لكنه كان سعيدا بقراره وسهر تلك الليلة مع اصدقاء اختارهم ممن اختاروا واخترن طريق الله والاخلاقيات لهم سبيلا.
وهكذا بقي حال الفتى حتى تخرجه من الجامعة متفوقا عائدا لبلاده مثقفا وصاحب شخصيه وموقف.

أصبح الفتى طبيبا ومرجعيه لسائليه، محبا لبلده واهله ومحبين له، حتى بدأ اصحاب النفوذ والمناصب يعتبرونه مهددا لاستقرارهم متسائلين فيما بينهم من اين جاءنا هذا   ,  وكأنهم يقولون أليس ابن فلان ، من عائله فلان، هل أصبح الاخرس ناطقا؟

كان يتردد على عيادته للاستشارة النفسية والطبية ، صديق طفولته، ومن مجمل الحديث  دعا الصديق صديقه الطبيب  ليرافقه الى الصلاة ليكون شريكا بعالم روحي ممتلئ بالمحبة، والمصداقية، والتواضع، وانكار الذات والالتزام لشريعة الله سبحانه وتعالى  
فسأله الطبيب : صلاة ؟  أتعلم يا صديقي قد تكون دعوتك مرتبه من الباري وأعتبرها فرصة لفحص وضعي الروحي
لكن يا صديقي هل بمحافل الصلاة شراكة رأي ؟؟ ام شريعة الصامت ومن يعلمه!!!
اجاب الصديق :   طبعا شراكه رأي والكل يتقبل الاخر برحابة صدر ...

بدأ الطبيب بارتياد دور العبادة ، وكم كان فرحا لما احاطه من التفاف حوله والاهتمام لأمره، وتلاشت الالقاب لتتبدل بكلمة  أخي  وتترافق بكلمات تبريك: الله يباركك وغيرها وغيرها، حتى عاش الطبيب نشوة الايمان.

وبعد مرور بعض الوقت أصبح الطبيب ملتزما بحضور الصلاة واعطاها مساحة اكثر من أمور اخرى في حياته،
كان ممن يصلون اناس طيبون لا لهم ولا عليهم، وافاقهم الفكرية تنتهي حدودها عند مواعظ الواعظ ، وهنا بدأت المشكلة.

كما ذكرنا اعلاه ان حياه الجامعة زرعت بهذا الطبيب شجاعة قول الحق والمحاربة لتحقيقه، فظن أنه يريد الأفضل للعبادة وأتى ببعض التساؤلات للقائمين على طرح فروضات الصلاة لعلهم يتبعون نهجا جديدا لتطوير طريقه التعبد وتفسيره ليتلاءم مع وضعيه العصر الحديث، ولا يجوز الالتزام بتزمت الرأي وفرض تفاسير قد يكون الواعظ نفسه لا يدركها  بل يردها على مدار سنين كببغاء، نفس الكلام نفس النمط حتى خيم الملل على من له فكر منفتح .

وبدون سابق انذار اصبح الطبيب المثقف، غير مستحوذ على المحبة وتمنوا له الجلوس بجانب الباب وعلى الاصح خارجه، لكنه اراد ان يكون المتمرد على استبداد السلطة واستعباد الفكر باسم الدين.  
 حين دخل الجدل بينه وبين الواعظ حول تفاسير خاطئة شرحت للمستمعين له، باعتقاده انه يوجه الواعظ لتصحيح نفسه وليعتبر من أن لا يؤثر سلبا في فكر من تلقى الشرح الخاطئ، وكأنه دق ناقوس الحرب ...
• فبدأت محاربته الأولى من بيت الصلاة : 
هل يتوافق هذا مع تحاجووا فيما بينكم,
هل يتوافق هذا وأمرهم بالشورى فيما بينهم
هل يتوافق مع حفظ الأخوة لبعضهم بعضا.

• اما المحاربة الثانية فكانت مقاطعه اخوته بالصلاة له ولعائلته
واتهموه بأنه صاحب نوايا سوء ويريد السيطرة على الواعظ ودور العبادة لمراّب شخصية، وكأنهم جنود قائد المئة لا جنود الملك .

• وأتت المحاربة التالية وهي الأشرس  :
صراع الطبيب بين فكره الفذ  و روحانياته،
* هل يستسلم لغباء هؤلاء
* هل يتنازل عن الحق لإرضاء الباطل
* هل يستمر بزرع بذور جديده لتتمر خيرا
* هل يبحت عن واعظ جديد ملتزم للحوار والتغير

وانتقلت حياه الطبيب من انسان ذهب طوعا للصلاة، لمحارب من اجل البقاء بمحافل الصلاة واكتشف ان كل الخير الذي بداخله قوبل بعدم ترحاب وخالي من صدق النوايا فعاد بينه وبين ذاته لتعاليم والده وتذكر وصيه الصمت وما اوصاه به،
 فصرخ الطبيب صرخة الم ،
• لا لا لا لن اصمت بعد اليوم  فصمتنا عن الحق شيطان اخرس وكانه يقول لوالده مشكلتنا اننا كنا نرى الاعوجاج ونصمت
* كنا نرى النفاق ونسكت
* كنا نعطي المكرمات والسلطة لغير الكفؤين ونصمت
* كنا فقراء ولا نملك العلم والمال يا والدي اما اليوم الفقير فقير الايمان وأنا به غني

وكان الطبيب يتوعد  مع بزوغ الفجر هؤلاء الذين اعتادوا تسيير الامور لما يتوافق مع نواياهم، انه لن يصمت بعد اليوم وسيجند اوفياء ليحاربوا من اجل اعمار الروحانيات عند ابنائنا واوقفته عباره روحيه  قويه رددها  " الله يسكن بقلوب المؤمنين ".


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ [email protected]
“{{shareData.title}}”
جارى التحميل