يوسف بنات: مُرَبٍّ مُتَحَدٍّ وَمُمَيَّزٌ

بقلم: نمر نمر

2021-11-18 12:16:57 - اخر تحديث: 2021-11-19 14:27:37

المُربّي المُتَحَدّي والمُميّز: يوسف بنات 1945 -2021 ، بلدة الشّيخ دنّون، فقد البصر ولم يفقد البصيرة، وعمره ثلاثة أشهر فقط، دَرَس سماعيّاً خارج الصّف،


صورة للتوضيح فقط - تصوير: shironosov iStock

صيف شتاء! لم يستسلم لأيّة إعاقة،تحدّى وتصدّى للأهل والمجتمع، لم يُصَنِّف نفسه مع ذوي الاحتياجات الخاصّة، بل رأى نفسه محظوظاً بما كُتِب له،أنهى دراسته الثّانويّة في مدرسة راهبات الناصرة في مدينة حيفا، حصل على الّلقبَين الجامعيَّين الأوّل والثّاني، الأهل والمدرسة والجامعة والعامل الاجتماعي وضعوا العراقيل والعقبات أمامه(شفقة ورحمة له!كما اعتقدوا)، لكنّه شقّ عصا الطّاعة،صمّم على طلب العلم في جامعتَي القدس وحيفا، لغة عربيّة، تاريخ الشّرق الأوسط والاستشارة التّربويّة،عمل في الاستشارة التّربويّة في مدرسة مكفوفي البصر في النّاصرة، وهناك تعرّف على تلميذته قرينته فيما بعد: شادية حسن/ المشهد، وهي مكفوفة البصر كذلك! بعد أن رفض كافّة العروض المُغرية التي وُضِعت أمامه على أطباق  ذهبيّة، للزواج من أجنبيّات والحصول على منح دراسيّة في الدّاخل والخارج، مصمّماً على البقاء في الوطن، ليتمتَع بأريج وعبير ونغم :(شَدْوِهِ، أزهاره، سُموّهِ، رامِهِ ورياضه)! وهؤلاء هم أفراد أسرته السّعيدة والمحظوظة، كما أكّد لنا ذلك، قبل رحيله للملاْ الأعلى.

إنّها قصة عصامِيَّين مُتَحَدِّيَين مُتّحِدَيْن روحاً وطموحات وأمنيات وتفاؤلاً وَبُعد نظر، ومَن صبر ظفر،(مَن تأنّى نال ما تمنّى)، ولم يقف أيّ عائق أمام تحدّياته التي لا تعرف الحدود في أرض الجدود،وقصّة الشّيخَين داوود ودنّون في البلدين الشّقيقَين، لعلّنا نعود لتسجيلها لاحقاً.

التقيتُ بهما أوّل مرّة عام 1989  وبمعيّة المُربّي: صالح أسدي/دير الأسد، صاحب مجلّة: (أفكار) التربويّة، يوسف وشادية قرينته استقبلا ضيفَيهما على طريقتنا العربيّة التّقليديّة، بيتهما العامر والفسيح والمُرتّب على النّمط الغربي، مع فلذات كبدَيهما:أزهار، سامي ،رامي ورياض، وكان حوار ودّيّ وقلبيّ، دون حواجز وكوابح نفسيّة، كلّ شيء على المكشوف، كما صدحت طيّبة الذِّكْر: أمّ كلثوم كوكبة الشّرق( المُعتِم في معظمه حاليّاً) دون أن نفقد الأمل، مع كلمات: عبد الفتّاح مصطفى وألحان رياض السنّباطي1963، وحضور خالد الذِّكر جمال عبد النّاصر يا جمال!:
 طوف بِجَنّة رَبّنا في بلادنا وِاتْفَرَجْ وشوف
ضَفِّتين بيقولوا أهلاً، والنّخيل شامخ صْفوف
وِابْتسامِة شمسِنا أجْمل تحيّة للضيوف
وِالنّسيم يُرْقُص بموج النّيل عالنّاي والدّفوف....

 يوسف وشادية اقترنا عام 1982 ،كوّنا أسْرة طيّبة على البِرّ والتّقوى،ظلّ أبو سامي متفائلاً أُنيطَتْ به مهامّ تربويّة ثقيلة، فكان قَدّ الحِمِلْ وٍزْيادة! مثالاً يُحتذى به، يُشار إليه بالبنان، أجاد اللغات الثلاث: العربيّة، العبريّة والإنجليزيّة،فتح ورشة مهنيّة لبيع وتصليح الآليّات المُعدّة للمكفوفين، ابْتَكَر العديد من الآليّات والآلات التي تُخفّف الأعباء على زملائه،سافر إلى مدينة نتانيا/أمّ خالد لمكتبة المكفوفين التي تعمل بالحرف النّافر(طريقة بْرايل)كي يستفيد ويفيد، وهكذا أصبح بيته مِنْحلة وخلايا تجني العسل بشهده من ورودنا وأزهارنا الجليليّة،عسل طبيعي،خالٍ من السّكّر والشّوائب، الباب مفتوح والبيت مطروق،الزّوجان عصاميّان، تنسيق وانسجام، مودّة وألفة، ربّة البيت (تنفخ وتطبخ)،(عَجّانة خبّازة)، أمٌّ وحاضنة، تنسى العقارب إن رأت الأنجما، على طريقة إيليّا أبي ماضي:
كُنْ بلسماً إنْ صار دهرُكَ أرْقما/  وحلاوةً إن صار غيرُكَ علقما/
وَالْهُ بِورد الرّوض عن أشواكه/ وَانْسَ العقارب إن رأيت الأنجما/
إنّ الحياةَ حَبَتْكَ كُلّ كنوزها/ لا تَبْخَلَنَّ على الحياة بِبعض ما....
 عدنا والتقينا مراراً أخرى،مع ازدياد مستوى التّحدّيات عنده!
 عُدْتُ إلى (أُرَيْشِفي) الصّغير لِأتَبَعَّرَ من خيراته،(نحن في عِزّ موسم مَشْق الزّيتون)، فإذا بي ألتقطُ مما جناه في مشواره وتجاربه العديدة:
*أهوى المطالعة،المطالعة بواسطة صديق،، البرامج الثقافيّة والفنّيّة، الموسيقى الكلاسيكيّة، الزّراعة، الرّحلات والتجوال.
*الأمنيات:نشر المحبّة بين النّاس،أن يَعُمَّ السّلام على الملأ، تجديد الحياة، أن أبني شخصيّتي ومجتمعي على دعائم المحبّة والعطاء.
*المثل الأعلى: التّعاون البنّاء، الاعتماد على النّفس، ، الطّمع في العِلْم فقط!
*ذكريات يعتزّ بها: الطّفولة وما يصحبها من: طَيْش،شقاوة، أعمال صبيانيّة، وَلْدَنَة، لعب ولَهْو.
*عقبات في طريقه: إعتراض الأهل، المدرسة ، الجامعة والعامل الاجتماعي لمواصلة مشواري! ولكنّني لم أستسلِم.
*بِمَن يقتدي:أبو العلاء المعرّي، طه حسين،هِلين كيلر، وكلّ إنسان مكافح مُتَحَدٍّ.
*الزّواج: ليس علاقة فقط بين زوجَين، بَلْ بذرة لإنشاء مجتمع.
*عُروض وإغراءات: أكثر من طالبة أجنبيّة عرضتْ عليَّ الزّواج:هذه ابنة ملياردير، تلكَ ابنة صاحب مصنع و مصلحة، جامعة تعرض عليّ منحة دراسيّة في جامعة أكسفورد... ! إلاّ أنّني رفضتُ ذلك بِشمم وإباء، وفضّلتُ البقاء في الوطن متمسّكاً بالجذور، أبني نفسي بنفسي، ولا أكون عالة على أحد!
*تعاملك مع جمعية المكفوفين: أنا لا أريد مِنّة من أحد، لا شفقة ولا رحمة، أنا قادر على تدبير أموري بنفسي، أنال مطالبي بقواي الذاتيّة، بنيت بيتاً من طابقّين،دون مساعدة من أحد،دون طلب قرض من أية جهة، مجتمعنا يتعامل مع المكفوف كأنّه مسكين، وأنا أرفض ذلك، المساعدة بين البشر تكون متبادلة، مثلُنا مثل الكهرباء، لا يحدث النّور أو الدّفء إلاّ بتلاقي شحنات موجبة وسالبة،لا عطاء أو أخذ من جانب واحد فقط، الأصدقاء يزورونني لكتابة مَظْلمة أو شكوى، باللغات الثلاث،وقد شاركتُ بترجمة بعض الكُتب المدرسية،ولن أنسى العناية بأولادي وبيتي.

شادية ربّة البيت تَصُبّ فناجين القهوة دون أن تُسْكَبَ نقطة على الصّينيّة،وكذك تغلي القهوة دون أن تفور، وهذا بفضل أحاسيسها ومشاعرها المرهفة.
كان يوسف يستقلّ وسائل النّقل العامّة،يعرف مواقف الباصات،عرف ممرّات المُشاة ،والشّارات الضّوئيّة بالسؤال أوّل مرّة، ثمّ ترسيخ ذلك في الذّاكرة النّشيطة، الممارسة  ثانياً، وروائح الأطعمة المنبعثة من الأكشاك وحركة السّير أو الهدوء.
هذه بعض ملامح عصاميّين، ذلّلا الصّعاب معاً، كان النّجاح حليفهما معاً، ليكونا قدوة للكثيرين منّا، في عصر المتغيّرات والتّقنيّات الحديثة.
 إلى جنّات الخلود زميلي وصديقي  يوسف، وطول العمر للأخت شادية زوجته الفاضلة والعائلة: أزهار، سامي، رامي ورياض، ولن ننسى أحفاد أبي سامي ورفيقة دربه،لهم أسمى الأمنيات السّعيدة.


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ [email protected]
“{{shareData.title}}”
جارى التحميل